من قلب النوبة

زمان لما كنت قاعد في بلانة , او حتي في مدينة ابوسمبل , كنت بقول لنفسي هو فيه ايه ؟! , القضية او المسألة النوبية سهلة جدا ومش عايزة فتاوي , ناس وسابوا ارضهم ومش بخاطرهم , بس سابوها عشان مشروع قومي وهو السد العالي , عادي جدا طالما في رحيلنا خير لمصر , لكن وبعد مرور اكتر من خمسين سنة البلد القديم استقبلت ناس من اسيوط ومن سوهاج وكفر الشيخ والفيوم , طب ليه النوبيين اصحاب الارض لأ ؟! , وفضلت فاكر ان المشكلة من الحكومة بس !! لقيت ان المشكلة في الحكومة وفينا , وطوال السنين واحنا نرمي المشكلة علي الحكومة والحكومة ترمي المشكلة علينا !! ولحد النهاردة واحنا بندور في الحلقة المفرغة ده !!

عندما تعانق الشمس وجه رمسيس في ابوسمبل


يقطع  السائح مشوارا طويلا  كي يصل الي مدينة ابي سمبل اقصي نقطة عمرانية جنوب مصر  من اجل ان يري  ظاهرة فلكية تحدث منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد , وهي تعامد اشعة الشمس علي قدس اقداس المعبد الكبير بابي سمبل.

ونقطة عناق الشمس للحجر هي الحائط الغربي من قدس اقداس المعبد الكبير وهي الحد الاخير منه , ويستند علي هذا الحائط اربعة شخصيات , ثلاثة منهم الهة والرابع هو ملك تطلع لمساواة نفسه بالالهة وهذه الشخصيات هي اليمين إلي اليسار الإله رع حور أختي رب الشمس المشرقة عند قدماء المصريين وهو بجسد بشري ورأس صقر ويعلو رأسه قرص الشمس , ويليه الملك رمسيس الثاني وهو يضع علي رأسه التاج الازرق او تاج الحرب , والشخصية الثالثة هو الإله آمون رع اله الدولة الرسمي واله عاصمة مصر طيبة (الاقصر ) , واخيرا الإله بتاح رب مدينة منف (البدرشين ) ورب الصناع والحرفيين وقد فقدت رأسه.

وفي كل سنة ترسل الشمس أشعتها مرتين لتتعامد علي هذا الجدار الغربي لقدس الأقداس, وتكون المرة الأولي في 22 أكتوبر , والمرة الثانية في 22 فبراير , وتحديد التاريخ بهذه الدقة لا يعني ان الشمس لا تدخل في الثلاثة ايام السابقة واللاحقة لاي من التاريخين , انما الشمس تكون واضحة واطارها داخل قدس الاقدس يكون في اوجه , ويجب ان نضع في الأذهان  أن الشمس كانت تدخل يوم 21 من كل من شهري أكتوبر وفبراير في الموقع القديم قبل أن يتم نقل المعبد.

ولكي نتتبع مراحل تعامد أشعة الشمس علي معبد ابوسمبل الكبير يجب أن نبدأ من اللحظة الاولي لتعانق الشمس مع الحجر :

1.  تتعانق اشعة الشمس في البداية مع القرود التي تعلو واجهة المعبد الكبير , ويبلغ عددها الحالي ستة عشرة قردا , وتشير المساحة الفارغة بين القرود إلي ضياع ستة قرود أخري, مما يعني انه في الأصل كان هناك اثني وعشرين قردا , ويرفع كل قرد ذراعيه لأعلي تحية للشمس المشرقة , ومن المعروف أن قدماء المصريين ربطوا بين ساعات اليوم وبين القرود , لان ساعات اليوم مرتبطة من وجهة نظرهم بوجود الشمس واختفائها ولاحظوا ان القردة في الصباح الباكر تهلل وتقفز عند شروق شمس الصباح , ولذلك جعلوا الاله تحوت (القرد ) سكرتيرا للاله رع (الشمس) , ولكن عدد القرود في واجهة المعبد الكبير 22 , وايضا كانت ساعات اليوم في عصر الرعامسة  (العصر الذي عاش فيه رمسيس الثاني ) كان 22 ساعة , وأضيفت فيما بعد ساعة للشروق وساعة للغروب.

2.  وتهبط أشعة الشمس من القرود لتركز علي اله الشمس المشرقة رع حور أختي والذي نحت  داخل مستطيل بهيئة أدمية ورأس صقر وعلي رأسه قرص الشمس , ويقف علي الجانبين الملك رمسيس الثاني ويقدم قربان الماعت.

3.  وتهبط اشعة الشمس إلي المدخل الرئيسي للمعبد الكبير وتتسلل لمسافة 48 متر , وتهرع متخطية الصالة الاولي , والصالة الثانية , والصالة المستعرضة , وقدس الأقداس حتي تبقي في احضان الجدار الغربي ما بين عشرين دقيقة  إلي خمس وعشرين دقيقة.


4.  وترسم الشمس اطارا مستطيلا علي جسد الملك رمسيس الثاني والاله امون رع في قدس الأقداس , وتتحرك ناحية اليمين تجاه الكتف الايمن للاله رع حور أختي , حتى تختفي علي هيئة خط رفيع مواز للساق اليمني للإله الاخير.







5.    وبعد خمس وعشرين دقيقة تنسحب الشمس إلي الصالة الثانية , ثم الصالة الأولي , وتختفي بعد ذلك من داخل المعبد كله.



انتشر بين الناس تفسير سبب دخول اشعة الشمس داخل المعبد ونشر الاعلام هذا التفسير  , وكان التفسير هو أن احد اليومين (22 أكتوبر ) يمثل تاريخ مولد رمسيس الثاني واليوم الاخر (22 فبراير ) يمثل مناسبة تتويجه علي عرش مصر أول مرة , ولكننا لا نعرف بدقة متي ولد رمسيس  , أما تتويجه فقد حدده باحث المصريات الاسكتلندي كينيث كيتشن بيوم 18 يونيو.

وكنت اتساءل هل قصد المصريون القدامي ان تدخل الشمس مرتين في السنة داخل هذا المعبد , وقرأت نصوص المعبد كاملة , ودرست مناظره , ثم اعدت قراءة دراسة الفرنسية كريستيان ديروش نوبلكور اثناء انقاذ معبدي ابوسمبل لاعرف فيما لو كان هناك انحراف اجبر النحاتون القدامى علي إزاحة المعبد عن المسار الرئيسي بسبب الجبل ام لا؟

ففي نصوص المعبد لم اجد نصا يربط المعبد مع الشمس بشكل مباشر سوي نص التكريس الذي كتبه رمسيس علي واجهة المعبد الصغير الخاص بزوجته الملكة نفرتاري "التي من اجلها تشرق الشمس" , ووجدت في معبد رمسيس الثاني ازدواجية في احتفال كان يقام بالمعبد , وفي دراسة انقاذ المعبدين لم اجد اي اشارة الي انحراف في توجيه المعبد.

قررت ان ارجع  إلي السنة الفلكية المصرية القديمة , فوجدت  أن المصريين حسبوا سنتهم ما بين شروقيين متاليين لنجم الشعري اليمانية والذي يتوافق مع مقدم الفيضان ومع شروق الشمس , وكان ذلك ما بين أواخر شهر يونيو ومنتصف شهر يوليو , ووجدا أن المسافة الزمنية تبلغ 365 يوم , وقسموا هذه السنة إلي ثلاثة فصول , اسموا الفصل الأول باسم أخت ( الفيضان ) وكان يبدأ ب 21 يونيو, والفصل الثاني برت (الزراعة ) ويبدأ يوم 21 أكتوبر , والفصل الثالث شمو (الحصاد ) ويبدأ في 21 فبراير.

هكذا الامر ! , فاشعة الشمس التي تعانق المعبد تتوافق مع أول يوم في كل من فصل برت (الزراعة) وفصل شمو(الحصاد) اي ان الموضوع اشارة فلكية تحدد للاهالي متي يزرعون ومتي يحصدون.

ولاحظت في الصالة الثانية وقدس الاقداس منظرين مكررين وهو منظر المراكب المقدسة  , حيث يقف الملك منفردا أو مع زوجته الملكة نفرتاري يقومان ببعض الطقوس أمام مركبي الإلهين رع حور أختي (او رمسيس )  و آمون رع, وهذا يعني انه كان بالمعبد مناسبتين أساسيتين لكل من الإلهين.


واعتقد انه في كل مناسبة كان الكهنة يجلبون تمثال صغير لاحد اصحاب المراكب المقدسة  , ويجلبون مركبه الموديل من الغرفة التي تقع شمال وجنوب قدس الأقداس , ويضعون المركب وبداخله التمثال علي زحافة خشبية فوق القاعدة الحجرية وسط قدس الأقداس , ويقومون بطقوس تغيير الملابس والتزيين والتبخير وتقديم القربان , ويحملون المركب بعد ذلك , ويسيرون في الطريق المواكبي خارجين إلي الفناء الخارجي حيث ينتظرهم المتعبدون ليقدمون القرابين إلي الإلهين.

0 التعليقات:

إرسال تعليق