من قلب النوبة

زمان لما كنت قاعد في بلانة , او حتي في مدينة ابوسمبل , كنت بقول لنفسي هو فيه ايه ؟! , القضية او المسألة النوبية سهلة جدا ومش عايزة فتاوي , ناس وسابوا ارضهم ومش بخاطرهم , بس سابوها عشان مشروع قومي وهو السد العالي , عادي جدا طالما في رحيلنا خير لمصر , لكن وبعد مرور اكتر من خمسين سنة البلد القديم استقبلت ناس من اسيوط ومن سوهاج وكفر الشيخ والفيوم , طب ليه النوبيين اصحاب الارض لأ ؟! , وفضلت فاكر ان المشكلة من الحكومة بس !! لقيت ان المشكلة في الحكومة وفينا , وطوال السنين واحنا نرمي المشكلة علي الحكومة والحكومة ترمي المشكلة علينا !! ولحد النهاردة واحنا بندور في الحلقة المفرغة ده !!

ابوسمبل .. مدينة الشمس والاسرار


ابوسمبل مدينة ساحرة وهادئة , يسكنها الغموض ويغلفها السحر , تسير في شوارعها فتشعر ان اناسها من كوكب اخر , تتحدث معهم فتشعر انهم اناس عاديين وعبقريين في وقت واحد , تسكت فتجدهم يحكون لك اساطير عن رمسيس وعن نفرتاري وعن بلاد قديمة هي جزء من المدينة الفاضلة , ولكن المدينة بشوارعها واهلها جزء من تاريخ ابوسمبل ورمسيس ونفرتاري , وتقرأ هذا التاريخ علي الجدران وعلي الوجوه , تراه في اشعة الشمس التي سقطت علي وجوه اهل المدينة وانعكست علي جدران المعبد فنسجت اسطورة مدينة.

تقع مدينة أبو سمبل علي بعد 280 كيلومتر من محافظة أسوان , وعلي بعد أربعين كيلومتر شمال الحدود المصرية السودانية , وأخذت هذه المدينة أهميتها بسبب وجود المعبدين اللذين بناهما الملك رمسيس الثاني بها في القرن الثالث عشر ق م , ويعد اسم أبو سمبل اسم حديث لمدينة قديمة سميت في العصور القديمة باسم  أبشك والذي لا يعرف احد معناه حتى الآن وهل هو اسم منطقة محددة من المكان ام تطلق علي كل المكان , وحتي الاسم الحديث ابوسمبل ليس له علاقة بالمنطقة التي تضم المعبدين , لانها في الواقع جزء من قرية بلانة التي تقع علي الضفة الغربية للنيل وتمتد من المعبدين وحتي فرس وارقين بالقرب من الحدود المصرية السودانية , وهناك اقتراح بان ابوسمبل تطورت عن اسم جبل المعبد الكبير وهو أبسمبل وهي تسمية اطلقها الاهالي علي الجبل.

كانت مدينة ابوسمبل جزء من منطقة سكنتها قبائل التي أطلق عليها المصريون القدامى باسم" ايام" , والتي سكنت بين توشكي شمالا وبوهن جنوبا  , وفي عصر الدولة القديمة عبرت المنطقة بعثات الاستكشاف التي أرسلها المصريون لاكتشاف أفريقيا برئاسة حكام الاقليم الاول مثل البعثات التي ارسلت بقيادة حرخوف وترك تفاصيلها علي جدران مقبرته بأسوان.

كانت هذه المنطقة في العصور القديمة تضم جبلين ذات قدسية لدي اهالي المنطقة , وارتبط الجبل الكبير بالإله حورس المحلي والذي لقب بأنه " سيد محا " , وارتبط الجبل الصغير بالالهة حتحور المحلية والتي سميت "سيدة أبشك" ,  وكان يفد إليهما أهل هذه المنطقة من اجل تقديس  ارواح الإلهين المحليين حتحور وحورس التي تسكن في الجبلين , وأطلق الاهالي على الجبل الجنوبي   "جبل حورس سيد محا" وعلي الجبل الشمالي   "جبل حتحور سيدة أبشك" أو "الجبل الطاهر" ,  وعاشت اوصاف هذين الجبلين وقصتهما المقدسة في الاشارات الواردة علي كتابات المعبدين.

وفي القرن الثالث عشر قبل الميلاد استغل الملك رمسيس الثاني قدسية الجبلين نحت لنفسه معبدا في الجبل الجنوبي ونحت لزوجته معبدا في الجبل الشمالي , واحتفظ لالهة المنطقة بقدسيتهما فاهدي معبده الي الاله حورس رب محا , واهدي معبد زوجته للالهة حتحور سيدة ابشك , واضاف الملك سيتي الثاني والملكة تاوسرت لوحات لهذين المعبدين , ويبدو ان المعبدين اغلقا بعد اهمال العبادة بهما ودفنا تحت الرمال.

ومرت علي مدينة ابوسمبل الحملة العسكرية التي ارسلها الملك بسماتيك الثاني الي النوبة عام 593 ق م , وترك جنودها نصا علي الساق اليسري لتمثال الملك رمسيس الثاني علي يسار الداخل للمعبد الكبير , وكتب هذا النص باللغة الإغريقية القديمة (الخط الكاري ) , ويحكي عن حملة أرسلها الملك بسماتيك الثاني احد ملوك الأسرة السادسة والعشرين عام 593 ق م علي النوبة , وكانت هذه الحملة العسكرية تتكون من جنود مصريين و إغريق , وكان لكل فئة قائد يقودهم , وقاد الجنود المصريين ضابط يدعي أحمس والذي يسميه الإغريق بلكنتهم باسم "أمازيس" , أما الجنود الإغريق فكان يقودهم شخص يسمي "بوتاسمتو" وهو تحريف إغريقي لاسم مصري وهو "با دي سما تاوي" , ويعني (هبة الأرضيين)  , وترجمة النص هي:  " عندما أتي الملك بسماتيك إلى الفانيتين كتب هذا النص أولئك الذين كانوا مسافرين مع بسماتيك بن ثيوكليس , وقد وصلوا إلى كركيس بقدر ما سمح لهم النهر , وكان يقود الأجانب القائد بوتاسمتو والقائد المصري أمازيس ,  كتبنا هذا النص نحن أرخون بن أمويبيكوس و ويلكوس بن أوداموس".

وفي القرنين الخامس والسادس الميلاديين تطورت في هذه المنطقة ثقافة نوبية أطلق عليها اسم "ثقافة بلانة" , وكانت عاصمتها في شرق النيل في "جبل عدا" , وكشف عن بقايا  اثار هذه الثقافة في قريتي بلانة وقسطل , وتعرض اغلب هذه الاثار في متحف النوبة بأسوان.

وفي العصور الحديثة يعد المستشرق السويسري لودفيج بورخاردت هو اول من زار المعبد بعد العصور القديمة وكان ذلك في 22 مارس 1813 وكان المعبد الكبير مدفونا تحت الرمال الا رؤوس تماثيل الواجهة , وبناء علي نصيحته زار المعبدين الانجليزي ويليام بانكس عام 1815 .

وفي عام 1816 زار المعبد الصغير القنصل الفرنسي دوروفيتي وشاهد رؤوس تماثيل رمسيس في واجهة المعبد الكبير , وبعده زار جيوفاني باتيستا بلزوني ابوسمبل مرتين , وكانت الزيارة الاولي في 16 سبتمبر عام 1816 ورافقته زوجته سارة , وكانت الزيارة الثانية في يونيو 1817 ورافق بلزوني ضابطين في البحرية الانجليزية وسكرتير القنصل البريطاني هنري سولت واستطاع بلزوني تنظيف الرمال حول الواجعة وعمل ثقب في الرمال ودخل المعبد الكبير واستكشف ما في داخل ووصل الي قدس اقداس المعبد الكبير في الاول من اغسطس عام 1817 وترك جرافيتي علي الجدار الايمن يسجل دخوله الي المعبد.

وفي اواخر ديسمبر 1828 وحتي منتصف يناير 1829 قام العالم الشهير جان فرنسوا شامبليون ومعه ايبوليتو روزليني بنقل مناظر المعبدين , وعاني شامبليون كثيرا وهو يعمل بالمعبدين بسبب درجة الحرارة ومرض النقرس الذي كان يعاني منه , ولكن كان يتحمل ويدخل الي داخل المعبد الكبير زاحفا بسبب الرمال الذي تغطي واجهته , ومن المعروف ان خرطوش الملك رمسيس الثاني الموجود في مقدمة قاعدة تمثال رمسيس الثاني علي يمين الداخل للمعبد هي التي ساعدته في فك رموز حجر رشيد.

وفي 9 نوفمبر عام 1838 زار الفنان الاسكتلندي ديفيد روبرتس المعبدين ورسم رسوما مبهرة لواجهة المعبد الكبير وتماثيل قدس الاقداس والذي اشار بان معبدا ابوسمبل يستحق اي مشقة , وصورت رسوماته الرائعة اللونين الاصفر بدرجاته والرمادي بدرجاته , وفي ديسمبر 1843 قام ريتشارد لبسيوس ومجموعة من الفنانين بنسخ رسوم المعبدين في تسعة ايام في ظل درجة حرارة عالية.

وخلال ثلاثة عقود ظل المعبدان محط انظار زوار شهيرين مثل الفنان بول دوران والكاتب جوستاف روبير وصديق ماكسيم دوكامب , اما اشهر من زار المعبدين فهي الروائية الانجليزية اميليا ادواردز , ونشرت زيارتها في كتابها الشهير " الف ميل علي النيل " عام 1877 وهي التي كشفت او اول من زارت مقصورة الاله تحوت جنوب واجهة المعبد الكبير وهي اول من لفتت الانظار لظاهرة الشمس وارتباطها بالمعبد الكبير.


1 التعليقات:

كلام جميل ورائع ينم عن معرفة واسعة بتاريخ المكان

إرسال تعليق