من قلب النوبة

زمان لما كنت قاعد في بلانة , او حتي في مدينة ابوسمبل , كنت بقول لنفسي هو فيه ايه ؟! , القضية او المسألة النوبية سهلة جدا ومش عايزة فتاوي , ناس وسابوا ارضهم ومش بخاطرهم , بس سابوها عشان مشروع قومي وهو السد العالي , عادي جدا طالما في رحيلنا خير لمصر , لكن وبعد مرور اكتر من خمسين سنة البلد القديم استقبلت ناس من اسيوط ومن سوهاج وكفر الشيخ والفيوم , طب ليه النوبيين اصحاب الارض لأ ؟! , وفضلت فاكر ان المشكلة من الحكومة بس !! لقيت ان المشكلة في الحكومة وفينا , وطوال السنين واحنا نرمي المشكلة علي الحكومة والحكومة ترمي المشكلة علينا !! ولحد النهاردة واحنا بندور في الحلقة المفرغة ده !!

الرؤية المصرية القديمة للنوبة

تعامل الملوك الفراعنة مع قضية النوبة بذكاء خارق وان كانت كتب التاريخ تركز علي الحملات العسكرية , وهو أمر مبالغ فيه لان كل ملك عندما يتولى السلطة كان يوجه الأمر بتنفيذ حملة عسكرية إلي الجنوب , ويبدو أن هذه الموضوع يعد من "أدبيات السلطة وبروتوكول تولي العرش" , ولدينا أمثلة كثيرة عن أن كل ملك كان ينقل من سابقه نفس تفاصيل الحملات , مثل الملك توت عنخ آمون الذي لم يبلغ عمره خمسة عشرة سنة ولكنه ذكر انه قاد حملة عسكرية علي النوبة , وحتى الملاحظ لأوضاع الحصون العسكرية في الجنوب يجد أن الحصن الأول هو حصن اليفانتين والحصن الذي يليه هو حصن بوهن يبعد عنه أكثر من 350 كم مما يعني أن المنطقة التي سكن فيها النوبيون المصريون هادئة , ويضاف لذلك أن الحصن الأول اليفانتين كان أشبه بجمرك أو نقطة مراقبة تجارية وهي اقرب للمكان الذي يتم فيه التبادل التجاري , وربما يكون الحصن الثاني هو الذي تغلب عليه الصفة العسكرية ومراقبة الحدود الجنوبية.

داوم الملوك الفراعنة علي زيارة  بلاد النوبة في شكل سلمي لمقابلة زعماء النوبة وملوكها علي عكس كتب التاريخ التي تركز علي الحملات العسكرية , وزار الملوك المشروعات الاقتصادية مثل المحاجر أو المناجم التي كانت تفتتح أو حتى تكليف مسئول كبير لحضور افتتاح المعابد , ولدينا أمثلة كثيرة مثل زيارة ببي الأول لافتتاح قناة مائية وسط الشلال الأول وقابل علي هامش الزيارة  زعماء النوبة وناقش معهم مشاكلهم وأعطوه وعودا بالمساهمة في تشييد سفن وقطع أحجار لهرمه , وأيضا الزيارة الشهيرة للأسرة الملكية للملك رمسيس الثاني وزوجته نفرتاري وابنته مريت آمون حين قدموا لافتتاح معبدي ابوسمبل .

وكانت النوبة هي وسيط الملوك الفراعنة في افريقيا , ومن المعروف أن كلمة أسوان كلمة مصرية قديمة تعني " السوق"  لأنها كانت المكان والسوق الذي يتم فيه تبادل المنتجات الأفريقية , وحتى الجزيرة المواجهة لمدينة أسوان كانت تسمي في المصرية القديمة " آبو "  والتي تعني الفيل أو سن الفيل , وهذا يشير إلي أن الجزيرة في أصولها الأولي كانت المكان الذي يتم فيه تبادل الأفيال مع المنتجات المصرية , واستعانت الحكومة المصرية الفرعونية بمترجم من النوبيين أسمته النصوص " ايمي را عو " وكان يرافق البعثات المصرية التي تقوم باستكشاف أفريقيا علي إدراك انه يفقه اللغات الأفريقية والقبائل التي كانت تعيش شمال السودان.

وكان للنوبيون دور هام في الجيش المصري القديم , ويحاول بعض الجهلاء اختصار وطنية النوبيين في استخدام لغتهم في سلاح الإشارة أثناء معركة أكتوبر 73 , ولكن للأسف ينم هذا عن جهل بمعايير التاريخ لان النوبيين اشتركوا في كل معركة قامت بها مصر قبل أن يتكون جيشها في القرن الثالث والعشرين ق م وبعد تكوينه , ولهم دور هام في كل المعارك التي خاضتها مصر وحتى الان , ودارسي التاريخ يعرفون مصطلح اسمه " مدجاي" وهي فرقة نوبية أساسية في الجيش المصري طوال تاريخه , وكان أفرادها من النوبيين الذين يتقنون استخدام الأقواس والسهام , وكانت الشرطة المصرية القديمة تستعين بهم في حفظ الأمن داخل مصر وقت السلم , فمثلا مدينة تل العمارنة عاصمة اخناتون كان بها قوات من المدجاي , وعين اخناتون نوبيا مديرا للأمن في داخل هذه العاصمة وهو يدعي بانحسي , واستعانت الملكة حتشبسوت في رحلتها الشهيرة إلي بونت بشرق أفريقيا بقوات من النوبيين وصورتهم علي معبدها بالدير البحري .


ومن المعروف ان النوبيين لم يشعروا في عهد الفراعنة بانهم دخلاء او غريبين عن مصر  , بل علي العكس وصلوا إلي اعلي المراكز في السلطة في مصر وهو منصب الفرعون , وبعد الثورة الأولي الفرعونية في تاريخ مصر في القرن الواحد والعشرين ق م تطلع الشعب المصري  إلي حاكم عادل من وسطهم , ونتج عن هذه الثورة حاكم كانت امه نوبية وهو الملك أمنمحات الأول أول ملوك الاسرة الثانية عشرة ومؤسس الدولة الوسطي , ويري بعض الباحثون ان الملكة تي ام الملك اخناتون من أصول نوبية  , ووصل النوبيون إلي قيادة الجيش في نهاية الاسرة العشرين وهو بانحسي , وتبدأ قصة هذا الرجل عندما حدثت ثورة في طيبة وكان الفرعون يقيم في شرق الدلتا فقرر الملك إرسال قائد الجيش لإخمادها , وتعاطف القائد العسكري مع الثورة وانضم لها وأصبح قائدا لها  , ووصل النوبيون أيضا إلي درجة محافظ مدينة , وتقلد النوبي منتومحات محافظا لأهم مدن مصر وهي عاصمتها طيبة (الاقصر ) ,  ويرجع الفضل لهذا الرجل في إضافة لمسات علي شكل العاصمة , ويبدو انه محنك لأنه استمر محافظ في أسرتين وهي 25 و 26 , كما تقلدت المرأة النوبية منصب اعلي كاهنة في مصر وهي " زوجة الإله آمون, وهذا يعني أن النوبيين لم يشعروا بأنهم من مكان أخر بل هم مصريين لهم نفس الحقوق والواجبات , كما أن المصريين القدامى لم ينظروا إليهم نظرة مهينة أو مشينة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق