من قلب النوبة

زمان لما كنت قاعد في بلانة , او حتي في مدينة ابوسمبل , كنت بقول لنفسي هو فيه ايه ؟! , القضية او المسألة النوبية سهلة جدا ومش عايزة فتاوي , ناس وسابوا ارضهم ومش بخاطرهم , بس سابوها عشان مشروع قومي وهو السد العالي , عادي جدا طالما في رحيلنا خير لمصر , لكن وبعد مرور اكتر من خمسين سنة البلد القديم استقبلت ناس من اسيوط ومن سوهاج وكفر الشيخ والفيوم , طب ليه النوبيين اصحاب الارض لأ ؟! , وفضلت فاكر ان المشكلة من الحكومة بس !! لقيت ان المشكلة في الحكومة وفينا , وطوال السنين واحنا نرمي المشكلة علي الحكومة والحكومة ترمي المشكلة علينا !! ولحد النهاردة واحنا بندور في الحلقة المفرغة ده !!

الرؤية المصرية القديمة للنوبة

تعامل الملوك الفراعنة مع قضية النوبة بذكاء خارق وان كانت كتب التاريخ تركز علي الحملات العسكرية , وهو أمر مبالغ فيه لان كل ملك عندما يتولى السلطة كان يوجه الأمر بتنفيذ حملة عسكرية إلي الجنوب , ويبدو أن هذه الموضوع يعد من "أدبيات السلطة وبروتوكول تولي العرش" , ولدينا أمثلة كثيرة عن أن كل ملك كان ينقل من سابقه نفس تفاصيل الحملات , مثل الملك توت عنخ آمون الذي لم يبلغ عمره خمسة عشرة سنة ولكنه ذكر انه قاد حملة عسكرية علي النوبة , وحتى الملاحظ لأوضاع الحصون العسكرية في الجنوب يجد أن الحصن الأول هو حصن اليفانتين والحصن الذي يليه هو حصن بوهن يبعد عنه أكثر من 350 كم مما يعني أن المنطقة التي سكن فيها النوبيون المصريون هادئة , ويضاف لذلك أن الحصن الأول اليفانتين كان أشبه بجمرك أو نقطة مراقبة تجارية وهي اقرب للمكان الذي يتم فيه التبادل التجاري , وربما يكون الحصن الثاني هو الذي تغلب عليه الصفة العسكرية ومراقبة الحدود الجنوبية.

داوم الملوك الفراعنة علي زيارة  بلاد النوبة في شكل سلمي لمقابلة زعماء النوبة وملوكها علي عكس كتب التاريخ التي تركز علي الحملات العسكرية , وزار الملوك المشروعات الاقتصادية مثل المحاجر أو المناجم التي كانت تفتتح أو حتى تكليف مسئول كبير لحضور افتتاح المعابد , ولدينا أمثلة كثيرة مثل زيارة ببي الأول لافتتاح قناة مائية وسط الشلال الأول وقابل علي هامش الزيارة  زعماء النوبة وناقش معهم مشاكلهم وأعطوه وعودا بالمساهمة في تشييد سفن وقطع أحجار لهرمه , وأيضا الزيارة الشهيرة للأسرة الملكية للملك رمسيس الثاني وزوجته نفرتاري وابنته مريت آمون حين قدموا لافتتاح معبدي ابوسمبل .

وكانت النوبة هي وسيط الملوك الفراعنة في افريقيا , ومن المعروف أن كلمة أسوان كلمة مصرية قديمة تعني " السوق"  لأنها كانت المكان والسوق الذي يتم فيه تبادل المنتجات الأفريقية , وحتى الجزيرة المواجهة لمدينة أسوان كانت تسمي في المصرية القديمة " آبو "  والتي تعني الفيل أو سن الفيل , وهذا يشير إلي أن الجزيرة في أصولها الأولي كانت المكان الذي يتم فيه تبادل الأفيال مع المنتجات المصرية , واستعانت الحكومة المصرية الفرعونية بمترجم من النوبيين أسمته النصوص " ايمي را عو " وكان يرافق البعثات المصرية التي تقوم باستكشاف أفريقيا علي إدراك انه يفقه اللغات الأفريقية والقبائل التي كانت تعيش شمال السودان.

وكان للنوبيون دور هام في الجيش المصري القديم , ويحاول بعض الجهلاء اختصار وطنية النوبيين في استخدام لغتهم في سلاح الإشارة أثناء معركة أكتوبر 73 , ولكن للأسف ينم هذا عن جهل بمعايير التاريخ لان النوبيين اشتركوا في كل معركة قامت بها مصر قبل أن يتكون جيشها في القرن الثالث والعشرين ق م وبعد تكوينه , ولهم دور هام في كل المعارك التي خاضتها مصر وحتى الان , ودارسي التاريخ يعرفون مصطلح اسمه " مدجاي" وهي فرقة نوبية أساسية في الجيش المصري طوال تاريخه , وكان أفرادها من النوبيين الذين يتقنون استخدام الأقواس والسهام , وكانت الشرطة المصرية القديمة تستعين بهم في حفظ الأمن داخل مصر وقت السلم , فمثلا مدينة تل العمارنة عاصمة اخناتون كان بها قوات من المدجاي , وعين اخناتون نوبيا مديرا للأمن في داخل هذه العاصمة وهو يدعي بانحسي , واستعانت الملكة حتشبسوت في رحلتها الشهيرة إلي بونت بشرق أفريقيا بقوات من النوبيين وصورتهم علي معبدها بالدير البحري .


ومن المعروف ان النوبيين لم يشعروا في عهد الفراعنة بانهم دخلاء او غريبين عن مصر  , بل علي العكس وصلوا إلي اعلي المراكز في السلطة في مصر وهو منصب الفرعون , وبعد الثورة الأولي الفرعونية في تاريخ مصر في القرن الواحد والعشرين ق م تطلع الشعب المصري  إلي حاكم عادل من وسطهم , ونتج عن هذه الثورة حاكم كانت امه نوبية وهو الملك أمنمحات الأول أول ملوك الاسرة الثانية عشرة ومؤسس الدولة الوسطي , ويري بعض الباحثون ان الملكة تي ام الملك اخناتون من أصول نوبية  , ووصل النوبيون إلي قيادة الجيش في نهاية الاسرة العشرين وهو بانحسي , وتبدأ قصة هذا الرجل عندما حدثت ثورة في طيبة وكان الفرعون يقيم في شرق الدلتا فقرر الملك إرسال قائد الجيش لإخمادها , وتعاطف القائد العسكري مع الثورة وانضم لها وأصبح قائدا لها  , ووصل النوبيون أيضا إلي درجة محافظ مدينة , وتقلد النوبي منتومحات محافظا لأهم مدن مصر وهي عاصمتها طيبة (الاقصر ) ,  ويرجع الفضل لهذا الرجل في إضافة لمسات علي شكل العاصمة , ويبدو انه محنك لأنه استمر محافظ في أسرتين وهي 25 و 26 , كما تقلدت المرأة النوبية منصب اعلي كاهنة في مصر وهي " زوجة الإله آمون, وهذا يعني أن النوبيين لم يشعروا بأنهم من مكان أخر بل هم مصريين لهم نفس الحقوق والواجبات , كما أن المصريين القدامى لم ينظروا إليهم نظرة مهينة أو مشينة.

تاريخ النوبة

ستناول في سلسلة من المقالات تاريخ النوبة المصرية برغم أن هذا المصطلح " النوبة المصرية "  غير موجود , وهو اختراع سياسي فرضه ملوك مصر في عصر الدولة الحديثة  في الفترة ما بين القرن السادس عشر قبل الميلاد إلي القرن الحادي عشر قبل الميلاد  ,  ولكن النوبة طوال التاريخ كانت وحدة واحدة إلا من فترات صغيرة.

وتتناول هذه المقالات تاريخ النوبة منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى عام 1820 م , وهي السنة التي أرسل فيها محمد علي باشا حملته علي النوبة والسودان وبموجبها تم ضم النوبة المصرية إلي مصر , وهذه الحقبة الزمنية الطويلة أظهرت أن تاريخ النوبة العام مليء بالأحداث التاريخية التي أثرت علي الشرق الادني القديم , كما ازدهرت ممالك نوبية مثل كرمة ونباتا ومروي , وفي بعض اللحظات التاريخية كانت النوبة عونا لمصر علي محتليها الفرس والرومان وحاملة للواء إحياء المجد المصري فيما يسمي بلاد الشام.

وفي أجزاء من هذه المقالات سوف أركز علي أحداث النوبة المصرية باعتبار ذلك واجبا مني لنشر الوعي التاريخي بقيمة النوبة واسهاماتها في التاريخ الانساني , وإذا كنت قد استخدمت مصطلحات مثل العرب النوبيين أو الكنوز أو والفاديكيين فانا لا اقصد التعصب ونشر الفرقة إنما فرضته الأحداث التاريخية , وتوجه هذه المقالات عامة إلي القارئ العام دون إجحاف فيما لو قرأه المتخصص أيضا , وحاولت قدر الاستطاعة التبسيط من المصطلحات الأثرية والتفاصيل التي تجعل القارئ يتوه.

ويقسم تاريخ النوبة الي عشرة حقب ( يمكنك النقر علي اي مرحلة للدخول لها مباشرة ) :

1.   فجر التاريخ النوبي
2.   ثقافة المجموعة أ
3.   ثقافة المجموعة سي
4.   مملكة كرما
5.   عصر السيطرة المصرية
6.   مملكة نباتا
7.   مملكة مروي
8.   ثقافة بلانة وقسطل
9.   العصر المسيحي
10. العصر الاسلامي


فجر التاريخ النوبي

منذ ألاف السنين كانت النوبة ارض سافانا علي ضفاف النيل , وقدمت الأرض والنهر للنوبيين النباتات الطبيعية والحيوانات البرية والأسماك , ولذا عاش النوبي في هذه العصور السحيقة في القدم علي ما توفره له الطبيعة , وكان النوبي جامعا للغذاء , ولذا فانه كان يتنقل ويقيم في معسكرات مؤقتة , وصنع النوبي أدواته من الحجر , ورسم علي الصخور الحيوانات التي كانت تعيش في بيئته مثل الأفيال والزرافات والنعام والغزلان.

بدأ التاريخ في النوبة باسم عصر أطلق عليه " العصر الحجري القديم الاعلي " , وشاعت في هذا العصر صناعة أدوات حجرية سميت باسم " الصناعة الالدوانية" , وكانت تشمل سواطير وقواطع وتعد من أقدم الأدوات الحجرية في النوبة , وعثر علي هذه الأدوات في موقع كدنارتي بجزيرة بدين جنوب مدينة دنقلة , ومنذ 300 ألف سنة ظهرت الأدوات الاشولية في النوبة , وعثر عليها في الدكة و كورسكو , والأدوات الاشولية التي شاع استخدامها هي الأدوات الحجرية ذات الوجهين , ومن أقدم الأماكن التي تشير إلي التواجد البشري في النوبة , وترجع إلي العصر الحجري القديم المبكر وهي موقع أرقين 8 ووادي حلفا , وعثر في ارقين 8 علي أدوات حجرية اشولية , وبالقرب من الموقع السابق وفي وادي حلفا عثر علي أماكن تشير إلي وجود ورشة لتصنيع الأدوات الحجرية , وكان النوبيون في هذا العصر مجموعات من الصيادين الرحل الذين يتعقبون قطعان الماشية مستخدمين أدواتهم الحجرية ذات الوجهين , وكان النوبي في هذا العصر من نوع هومو اريكتوس أي الإنسان المنتصب وهو المخترع الحقيقي للصناعة الاشولية الحجرية ولكن لا يعرف من أين أتي ؟.

في العصر الحجري القديم الأوسط  (90000 – 35000 ق م ) انخفض نهر النيل , وبدأ النوبي يبحث عن مصدر المياه لكي يقيم بجواره , وصنع أدوات تختلف عن العصر السابق وهي الأدوات الشظيية , ولكنه أيضا استخدم النواة وصنع منها أدوات ذات وجهين , وتفردت النوبة بتقنية صناعة حجرية وهي " الأدوات الورقية " وهي فصل شظيتين عن قصد , وهذه الشظايا تشبه الورق وكانت دقيقة وأكثر دقة مما يشبهها من الأدوات الليفلوازية , وعثر علي مثل هذه الأدوات في موقع ارقين 5 و خور أبو عنجة.

 وخطا الإنسان النوبي خطوات هامة لتحسين أدواته الحجرية , وعرف استخدام النار , وبدأت معرفته للفنون البسيطة مثل صناعة الخرز ورسم المخربشات علي الحجر والعظم , وبدأ يدفن موتاه , وكانت أدواته في هذه المرحلة تتشكل علي الشظايا مع كتل الحصى والفؤوس اليدوية , ولكنه أتقن تهذيبها بدرجة تعكس تحكمه التقني , وشاع في هذا العصر الأدوات التي تسمي ب " الموستيرية " مثل المكاشط والأدوات المسننة والسكاكين , وفي خور أبو موسي عثر علي أدوات موستيرية , ولكن شاع استخدام الأزميل, ومن خلال دراسة العظام نجد أن النوبي عرف الحمير وأفراس النهر والغزلان والطيور , وعثر علي عظام اسماك البوري والبلطي والبياض والقرموط .

ومن أقدم الجبانات التي عثر عليها في النوبة هي جبانة جبل الصحابة , وعثر بها علي 59 هيكل عظمي , ودفنت هذه الأجساد في وضع مقرفص علي جانبها الأيسر والرأس متجه إلي الجنوب وتنظر الوجوه إلي الشرق , وكانت هذه الأجساد مدفونة في حفر مغطاة بكتل من الحجر الرملي , وقد عثر علي شظايا ملتصقة ب 24 جمجمة وهي سبب وفاة أصحاب هذه الأجساد , ويبدو أنها وفاة عنيفة نتيجة تدفق مياه النهر بشكل قاسي قضي عليهم , ويؤكد ذلك كسور في السواعد وتشققات في السيقان , ويبدو هذه الكارثة الطبيعية جعلت أهالي هذه المنطقة يدفنون أجساد جماعية , وعثر علي جثتين معا في حفرة , وفي حفرة ثانية عثر علي ثمانية أجساد وهم رجال ونساء وأطفال , وعثر علي جبانة أخري مواجهة لجبل الصحابة , ولكن علي الضفة الغربية للنهر وبها 39 جسد , ولكنهم لم يتعرضون للكارثة التي تعرض لها المقيمين بجوار جبل الصحابة , ولم يعثر علي إصابة إلا في جسد واحد.

وعثر في الكوبانية شمال أسوان علي هيكل عظمي لشاب يتراوح عمره ما بين 20 إلي 25 سنة دفن ووجهه في التراب داخل حفرة , وهو في وضع ممدد وليس مقرفص وساقاه مهشمة , وقد تم تأريخ العصر الذي عاش فيه هذا الشاب ب 20000 سنة قبل الميلاد , وعثر في بطنه علي بعض النصال التي تؤرخ بالعصر الحجري القديم , وهي التي أدت إلي وفاته.

وفي النبطة شمال غرب ابوسمبل عثر علي مستوطنة بها علي 21 دفنة تمثل مرحلتين أقدمها تعاصر جبانة جبل الصحابة والثانية أحدث منها , وقد دفن أصحاب الدفنات في وضع مقرفص علي جانبهم الأيسر وهم ينظرون إلي الشرق , وتتشابه خصائص جماجمهم مع أصحاب جماجم جبل الصحابة , وعثر علي قرون أبقار بجانب رؤوس بعض المدفونون مما جعل الباحثين يشيرون بان ذلك أقدم دليل في وادي النيل علي عبادة الحيوانات أو الأبقار.

وفي الألف السادسة ازدهرت ثقافة الخرطوم , وظهرت الأواني الفخارية السوداء المزخرفة بخطوط متعرجة , وظهرت نقوش تصور الحيوانات التي ظهرت في البيئة مثل التماسيح والسلاحف وأفراس النهر , وتم الكشف عن خطاطيف من العظم وكان بها نتوءات شوكية وهي تشير إلي الصيد النهري ومدي الاعتماد عليه , ومارس أهل الخرطوم الصيد البري , وكانت أواني الخرطوم الفخارية عريضة وكبيرة ومصنوعة من طينة سوداء وملساء من الداخل , ولكنها غير مصقولة ومزخرفة من الخارج بخطوط مموجة حتى تبدو مثل السلال , وكان أهل الخرطوم يدفنون موتاهم في وضع مقرفص ومعهم حليهم مثل حلقات من اغلفة بيض النعام , وتميزت جماجم الموتى بأنها طويلة وضيقة وبها فك سفلي ضخم , وهي سمات شبه زنجية

وعثر بموقع شابونة التي تقع علي بعد 110 كم من الخرطوم علي عظام اسماك محروقة , وعلي خمس دفنات تنوعت اتجاه وجوههم بين الشرق والغرب وكانت في وضع ممدد , وتؤرخ هذه الدفنات بمنتصف الألف الثامنة , وشاعت بها الأدوات القزمية , وكانت أواني الفخار من نوعين من العجائن احداهما بها مكونات والثانية مكونات معدنية وكل الأواني غير مزخرفة وأضيف إليها اللون الأحمر لكي تصبح حمراء , وبعض هذه الأواني كروي وبعضها نصف كروي وشع بها الزخارف المنقطة , وفي موقع صجاي الذي يقع 40 كم شمال الخرطوم , كانت البيئة عبارة عن سافانا مغطاة بالأشجار الكثيفة وعاشت فيها الحيوانات مثل القردة والقطط والخنازير البرية والأسود وأفراس النهر والزراف والسلاحف والتماسيح , وكان النهر ملئ بالأسماك مثل القرموط والبياض , وفي مواسم الفيضان في الصيف كان السكان يعيشون علي الصيد , وحتى في الصيف كانوا يعتمدون علي الصيد البري , وكان أهل صجاي صيادي نهر وجامعي غذاء وكانت آلاتهم قزمية ومسننة ومنها المثاقب التي انتشرت بينهم

وفي الألف الخامسة ق م شاعت موجة رطبة وارتفع منسوب المياه , ويمثل ذلك أوج العصر الحجري الحديث , وانطلق النوبي في العصر الحجري الحديث في إبداعاته الكبيرة , وانتقل من مرحلة الجمع والصيد والالتقاط إلي مرحلة إنتاج الطعام , وعرف في هذا العصر الزراعة , وعرف أيضا صناعة الفخار , ويمثل هذا العصر موقع الشاهيناب  في الجنوب و الكوبانية شمال أسوان وحوض النبطة غرب ابوسمبل.

وتمثل الشاهيناب -التي تقع علي بعد 50 كم شمال الخرطوم - العصر الحجري الحديث , وترجع إلي النصف الثاني من الألف الرابع ق م , وعثر بها علي أواني فخارية وأدوات حجرية قزمية وعظام متحجرة , كما عثر علي مواقد امتلأت بالرماد وبقايا العظام  , وخطت الشاهيناب خطوة للامام في العصر الحجري الحديث باستئناس الحيوانات , وعرف أهل الشاهيناب الأبقار والخراف والماعز , واعتمد اقتصادهم بشكل مؤكد علي الرعي , وعثر علي مواقع كثيرة تمثل العصر الحجري الحديث مثل موقع قاديرو التي استخدم أهلها الرمال كمزيل للزوجة الأواني الفخارية وشاعت علي أوانيهم الزخرفة بالخطوط المتوازية المنقطة أو المستمرة وبعض التكوينات الزخرفية مثل الصليب والهلال والمثلث , ووضعوا قرابين بجانب موتاهم مثل رؤوس المقامع والأواني الفخارية والعقود والقلائد.

وعثر علي تجمعات تعتمد علي الحبوب البرية في الغذاء والصيد وهي تمثل مقدمة لإحداث نقلة في إنتاج الطعام مثل موقع وادي الكوبانية , وعثر فيها علي أنواع من الحبوب مثل الذرة والدخن و البقوليات , وعثر أيضا علي أكواخ وحفر لتخزين النبات ومواقد النار , ومنذ خمسة آلاف عام أقام النوبيون في النبطة كانوا يقومون بزراعة الحبوب وتوصلوا إلي اختراعات فلكية مدهشة, ومن الواضح أن الأمطار كانت تسقط علي هذه المنطقة وتشكل حوضا تجمع حوله السكان المحليون وكانت حياتهم قائمة علي الرعي وصنعوا أدوات فخارية, وشيدوا مساكنهم في هذه المنطقة بشكل منظم وهجنوا الماعز والخراف, ويبدوا أنهم كانوا يتعبدون إلي الحيوانات وقاموا بدفنها كقربان مثل البقرة, أما أهم ما توصلوا إليه هو بناء مباني فلكية ( ميجاليثيك ) مثل البوصلة الحجرية والتي هي عبارة عن لوحات حجرية محورها شمال جنوب وتغطي مساحة 500 متر طول و200 متر عرض وتتكون من خمسة صفوف من أحجار الكوارتزايت ويعتقد بان هذه البوصلة تمثل بوصلة المسافرين لتحديد اتجاهات السفر, أما المبني الثاني فهو يمثل الدائرة التقويمية الحجرية وهي عبارة عن دائرة من الأحجار وفي وسطها أربعة أزواج من الأحجار وفي مركز الدائرة ستة أحجار رتبت في صفين وتعد هذه الدائرة الحجرية أقدم مبني فلكي في العالم.

وهناك غموض كبير حول كيف أفضي العصر الحجري الحديث في نهايته إلي ثقافة المجموعة الأولي والتي عرفت برعي الأبقار وتوازي ثقافة ما قبل الأسرات في مصر , وربما تكون قد حدثت هجرات من الجنوب.


ثقافة المجموعة الأولي


وجد الباحث الأمريكي جورج رايزنر صعوبة في تحديد أصول أصحاب هذه الحضارة ولذا أعطي لها تسمية " المجموعة أ " أو المجموعة الأولي, ويوجد خلاف بين الباحثين فيما لو كان أصحاب هذه الحضارة جاءوا في هجرات من الشمال ام من الجنوب, ويري البعض بان هذه الحضارة تتشابه مع ثقافة نقادة في عصر ما قبل الأسرات في التاريخ المصري والاثنتان تعكسان تشابها ثقافيا واثنيا مما يعني أنهما جاءتا من أصل أو موطن واحد.

تميزت ثقافة المجموعة الأولي بالمقابر التي كان يعلوها تلال من التراب وهي تسبق المقابر المصرية بحوالي قرنين, وكان الموتى يدفنون وأجسادهم تواجه الغرب, ووصلوا إلي الاعتقاد بالعالم الأخر, ولذا أمدوا مقابرهم بالأثاث الجنائزي مثل الحلي والفخار والأدوات الحجرية وأدوات الزينة والملابس الكتانية.

وفي القرن الثالث والثلاثين ق م شهدت النوبة توحيد سياسيا مشابها لما حدث في مصر, وظهر هذا التوحيد في قسطل, ويبدو أن التوحيد النوبي هو الذي ساهم في التوحيد المصري, كما أعارت قسطل بعض الايقونات إلي الحضارة المصرية مثل التاج الأبيض , وواجهة القصر ( التي تسمي بالسرخ ) , وعبادة الإله حورس.

قام الملك جر ثاني ملوك الاسرة الأولي بغزو النوبة مما اجبر أهالي المجموعة الأولي إلي الهجرة إلي الجنوب في السودان والي الصحراء الغربية, ومن المعروف أن الملك جر هو ثاني أو ثالث ملوك الاسرة الأولي والذي يؤرخ بدء حكمه بعام 3100 ق م, وترك هذا الملك نقشا علي جبل الشيخ سليمان بالشلال الثاني سجل فيه انه قام بحملة علي النوبة, وربما لم تؤثر حملة الملك جر كثيرا علي النوبة وظل أهل المجموعة الأولي متواجدين إلي أن قام الملك سنفرو أول ملوك الاسرة الرابعة في مصر بحملة عسكرية اخذ فيها سبعة ألاف أسير و 200 ألف رأس من الماشية وربما كانت هذه الحملة هي التي قضت علي أهل المجموعة الأولي وجعلتهم يهاجرون إلي الجنوب.

في القرن الثامن والعشرين ق م بدأت الحضارة النوبية في الانحطاط واستمرت حتى نهاية الدولة القديمة في مصر وبدأ ظهور أهل المجموعة الثانية ( اغلب الباحثون يرفضون وجودها ) والذين جاءوا من مكان ما, وصارت النوبة معبرا تجاريا إلي أفريقيا.

وفي القرن الثالث والعشرين ق م أرسلت مصر بعثات لاستكشاف النوبة , وكانت النوبة عبارة عن ممالك صغيرة وهي مملكة او مشيخة سثو و واوات بمنطقة كورسكو ووملكة ارثت بمنطقة توماس  ومملكة ايام بجنوب الشلال الثاني  , ومن خلال نصوص حكام أسوان في عصر الدولة القديمة نعرف أن الملك ببي الأول أرسل نيسو-حر إلي النوبة والذي استطاع الوصول إلي منطقة إقامة قبائل ارثت , وقام الحاكم حرخوف بأربعة حملات استكشافية , وفي إحداها والتي كانت في عهد الملك مرنرع  استطاع الوصول إلي مملكة ايام بعد سبعة أشهر , وامده اهلها بمنتجات من منطقتهم , وذهب في حملة ثانية الي نفس المنطقة عن طريق اليفانتين ,وشاهد ممالك ارثت و مخر و ترس .

وكانت الحملة الاستكشافية الثالثة لحرخوف أكثر تفصيلا ففي رحلة ذهابه إلي النوبة اتخذ طريق الصحراء الغربية , وفي غرب سوهاج قابل ملك مملكة ايام وهو متجه لمحاربة أهل الواحات الغربية في الصحراء  , وفي طريقه للنوبة وجد ملوك ممالك ارثت و سثو و واوات ينتظرونه عند حدود مملكة سثو , واستطاع الحصول من ارثت علي منتجات تضم بخور وأبنوس وزيت الحكنو وزيت ثاث وجلود الفهد وسن الفيل, ويبدو أن صديقه ملك ايام عين جنودا لحمايته أثناء عودته لحمايته , وفي العودة اخترق جبال ارثت إلي النهر , وأرسل الملك ببي الثاني بيبي نخت في حملة علي مملكة ارثت واستطاع قتل رؤساء الممالك وبعض الجنود النوبيين , وأرسل الملك ببي الثاني ايضا سابني من اجل إحضار جثة أبيه الذي قتل في النوبة.

وفي الاسرة السادسة قام وني الأكبر بقطع خمس قنوات صخرية في الشلال الأول وساعده فيها النوبيين , كما ساعدوه في صناعة ثلاثة سفن كبيرة وخمس سفن نقل بضائع من أشجار السنط , وانهي المهمة في سنة تقريبا , وقام أيضا بتجنيد عدد من النوبيين داخل الجيش المصري الذي قام بحملة علي سيناء وفلسطين , وكان هؤلاء النوبيين من قبائل ارثت و ايام وواوات وكاو و مدجاي.


ثقافة المجموعة الثالثة

تأتي ثقافة المجموعة الثالثة بعد ثقافة المجموعة الأولي  , وعاصرت عصر الانتقال الأول والدولة الوسطي وعصر الانتقال الثاني في مصر , ولا يزال هناك جدل بين الباحثين فيما لو أن أهل هذه الثقافة هم غزاة ام تطور محلي عن ثقافة المجموعة الأولي , وكان أهل هذه الثقافة مزارعين أو نصف رعاة , ومسالمين , ولم يعثر في مقابرهم علي اية أسلحة.

وتميزت ثقافة المجموعة الثالثة بفخارها ومقابرها , وكان فخارها يتميز بالإفراط في الخطوط الهندسية المحفورة مع ملئها باللون الأبيض وأصبح يشبه السلال , وكانت مقابرها علي شكل دوائر حجرية , ودفن المتوفى في المنتصف, ثم تطورت هذه المقابر , وأصبحت الأجساد توضع في غرفة مبطنة بالأحجار , وأضيفت غرفة في الناحية الشرقية لوضع القرابين بها.

وحصلت النوبة علي استقلالها لمدة 100 سنة وهي الفترة التي يطلق عليها عصر الانتقال الأول إلي أن عادت إلي مصر مرة ثانية في عصر الدولة الوسطي, ومن الطريف أن أول ملوك الاسرة الثانية عشرة في مصر كان من أصل نوبي , وهو الملك أمنمحات الأول , والذي ذكر في بردية تنبؤات نفرتي المحفوظة في روسيا بان "أميني" , وكان هذا اسم التدليل للملك ولد لام نوبية تدعي تا-سيتي , ومن الطريف أن اسم الأم هو اسم النوبة التي أطلقته النصوص المصرية وكان يعني "ارض القوس".

وفي عصر ثقافة المجموعة الثالثة غزا ملوك الدولة الوسطي النوبة , وشيدوا بها حصون وقلاع عسكرية خلف الشلال الثاني من اجل التحكم في أهل المجموعة الثالثة , وفي القرن التاسع عشر قبل الميلاد تبني ملوك الاسرة الثانية عشرة (احدي اسر الدولة الوسطي ) سياسة خاصة تجاه النوبة , وقام الملك سنوسرت الأول بتشييد قلعة في سمنة ( في أضيق مكان لنهر النيل ) ضمن سياسة الحصون العسكرية  , ومن المعروف أن هذه القلاع اتخذت أشكال منوعة فقلعة قمة أخذت الشكل المستطيل , وسمنة شكل حرف  L , وقلعة سمنة الجنوبية أخذت شكل المربع الصغير , وقلعة اورونارتي مثلثة الشكل , وكان داخل هذه القلاع بقايا معابد ومنازل وجبانات  , وشيدت هذه القلاع من الطوب اللبن , وكانت حوائطها مدعومة بأبراج محصنة , وضوعف بالأبواب الثنائية التحصين , وكان هناك ممر محصن يربطها بالنيل للحصول علي المياه.

وقام الملك سنوسرت الثالث بأربع حملات علي النوبة , وترك لوحتين في سمنة سجل فيها المعارك التي قام بها في النوبة , وقال في احد هذه اللوحات قولته الشهيرة : ( لقد أقمت حدودا في الجنوب في أماكن لم يصل لها أبائي وأجدادي..فمن حافظ عليها فانه ابني من صلبي ..ومن أهملها فهو ليس ابني...)

وفي الحملة الأخيرة كان نهر النيل منخفضا فلم يكمل حملته وعاد إلي مصر , وفي احد النقوش التي عثر عليها في جزيرة سهيل ذكر الملك انه قطع قناة في الشلال الأول لتسهيل عبور السفن , وقام الملك سنوسرت الثالث ايضا بتشييد مجموعة من الحصون العسكرية علي نهر النيل تبدأ من بوهن يليها مرجيسة و شلفك و اورونارتي و اسكوت و دابينارتي و سمنة و قمة , وتغطي هذه القلاع مسافة 150 كيلومتر , ومساحة 13 ألف متر مربع , وكان يعيش بها 3500 شخص.


السيادة المصرية علي النوبة

قام الملك أحمس الأول بحملة عسكرية علي النوبة بعد طرد الهكسوس مباشرة , وبعد ذلك قام النوبي عاتا بثورة ضد الملك أحمس ولكنه اخمد هذه الثورة , وبعد هذه الثورة قام احد الأشخاص المعارضين لطيبة وجمع ثوار النوبيين ولكن أحمس أخمدها أيضا , وبعد ذلك قام الملك بتعديلات إدارية في النوبة , وجعل من بوهن مركزا اداريا يتحكم في النوبة , وتقع بوهن علي الضفة الغربية لنهر النيل خلف الشلال الثاني.

وفي الدولة الحديثة قسمت النوبة التي تمتد من الشلال الأول إلي الشلال الرابع إلي قسمين إداريين , الأول وهو النوبة السفلي وهي النوبة المصرية حاليا , والثاني هي النوبة العليا بين الشلال الثاني والرابع وهي النوبة السودانية حاليا , وأطلقوا علي النوبة السفلي اسم واوات وعاصمتها هي ميعام ( عنيبة ) , وعلي النوبة العليا اسم كوش , وأصبح القسمان تحت إشراف أمير النوبة وكان مقر إقامته في ادفو.

طبقا للسيرة العسكرية للقواد العسكريين أحمس بن ابانا وأحمس بن نخبت يبدو أن الملك امنحتب الأول قام بنشاط عسكري في النوبة , وانه شيد معبدا في صاي مما يعني انه وصل إلي ما بعد الشلال الثالث , وبمجرد تتويج الملك تحتمس الأول ثارت النوبة ضد الحكم المصري , وطبقا للسيرة الذاتية للقائد العسكري أحمس بن ابانا ,  فسافر الملك تحتمس الأول إلي النوبة وحاربهم , وقتل احد الملوك النوبيين , وقام بتعليق جسده علي مقدمة المركب أثناء عودته إلي الأقصر , وقام الملك تحتمس الاول بحملة ثانية في العام الثالث من حكمه , وأثنائها قام بإعادة فتح قناة في الشلال الأول , وكانت هذه القناة قد قطعت في عهد الملك سنوسرت الثالث لتسهيل مهمة عبور السفن في الشلال الأول , وهي محاولات لإلحاق النوبة ضمن المملكة المصرية , وفي العام الثاني قطع الملك تحتمس الاول لوحة في تومبوس أشار فيها انه قام بتشييد حصن في تومبوس مما يعني مد الحدود المصرية إلي الشلال الثالث بعد أن كانت عند الشلال الثاني.

لم يكن للملكة حتشبسوت بصمات حربية في النوبة إنما شيدت معبدا للإله حورس في بوهن , وفي منتصف القرن الخامس عشر ق م قام خليفتها الملك تحتمس الثالث في أواخر حياته بحملة علي النوبة , ووصل لأول مرة إلي الشلال الرابع , وهو أول ملك يستطيع الوصول إلي هذه النقطة , وقام الملك بتأسيس مدينة نباتا , وشيد معبدا لأمون تحت سفح جبل البركل في نباتا , كما شيد معبد الليسية ومعبد عمدا في النوبة السفلي.

كان الملك امنحتب الثاني قد قتل سبعة امراء اسيويين في احدي حملاته في أسيا  , وقام بتعليق ستة منهم علي أبواب طيبة , والأخر علق جسده علي أسوار مدينة نباتا بالنوبة من اجل تخويف النوبيين الثائرين , وشيد امنحتب الثاني مع والده معبد عمدا , وقطع مقاصير لنفسه في أبريم ,وقام الملك الذي جاء بعده وهو تحتمس الرابع بتوسعة معبد عمدا.

كان عهد امنحتب الثالث مسالما مع النوبة , ولكن الملك امنحتب الرابع أهمل الشئون الخارجية بما فيها النوبة , وعندما جاء خليفته توت عنخ أمون أرسل أمين سر الوفود الدبلوماسية حور محب في زيارة إلي النوبة , ونتج عنها مجيئ أمير ميعام (عنيبة )  ومعه هدايا لقصر الملك توت عنخ أمون , وقام حور محب بتشييد مقصورة أبو عودة عندما تولي حكم مصر.

وفي الاسرة التاسعة عشرة قام الملك رمسيس الثاني بحملة علي النوبة سجلها علي جدران معبد بيت الوالي ابوسمبل , وقام الملك بتشييد ستة معابد كاملة في النوبة السفلي وهي بيت الوالي , و جرف حسين , ومعبد السبوع , ومعبد الدر , ومعبدي أبو سمبل, وفي عصر الملك رمسيس السادس قام أمير ميعام بنوت ببناء مقبرة له في عنيبة , وأخر ذكر لسيطرة مصر علي النوبة كانت في عصر رمسيس التاسع وبعدها عادت النوبة الي استقلالها.


مملكة كرمة


عندما غزت قبائل الهكسوس مصر , تمتعت النوبة باستقلالية , وشكلت مملكة كرمة علي الجانب الشرقي لنهر النيل عند الشلال الثالث بين القرن العشرين ومنتصف القرن السادس عشر ق م  , ومدت هذه المملكة نفوذها الي النوبة السفلي في مصر , وورثت  ثقافة المجموعة الثالثة  , وتركزت حضارة كرمة حول مدينة كرمة في السودان , وتعد من أقدم الممالك الأفريقية التي نافست مصر .

وينقسم تاريخ كرمة إلي مرحلتين , وفي المرحلة الأولي (  منتصف القرن 25 إلي منتصف القرن 21 ق م  ) استفادت فيها من النازحين من النوبة السفلي إبان السيطرة المصرية , وقد هربوا تحت ضغط السيادة المصرية علي النوبة السفلي  , وسمي هؤلاء النازحين باهل ثقافة المجموعة الاولي , وعثر في هذه الحقبة علي مباني دينية وورش أعدت خصيصا للقرابين وهي مبنية من أشجار السنط و مسقوفة بجذوع النخيل وكانت تثبت بالطين وتطلي باللون الأبيض كما عثر أيضا علي أكواخ من الخشب والطين , وفي المرحلة الثانية ازدهرت كرمة كمدينة تجارية وسيطة بين مصر وأفريقيا , واشتهرت المملكة في هذه الفترة بصناعة الفخار التي اشتهرت في العالم باسم " فخار كرمة “ و, كان فخار جيد الصناعة , وعثر نماذج منه في مصر , وتطورت المباني والتي شيدت من الطوب اللبن الغير محروق , وان ظهر الطوب اللبن المحروق فيما بعد , وبذا تكون حضارة كرما سبقت الحضارة المصرية في البناء بالطوب المحروق.


مملكة نباتا


تقع نباتا علي الضفة الغربية لنهر النيل بالقرب من قرية كريمة بشمال السودان , وكانت عاصمة مملكة كوش من القرن التاسع إلي القرن السابع قبل الميلاد ,  واستطاعت مملكة نباتا السيطرة علي مصر فيما عرف بملوك الاسرة 25.

في أوائل القرن الثامن قبل الميلاد كانت مصر تعاني من الفوضى والضعف في الوقت الذي أسس النوبيون فيه مملكة قوية في كوش , ويبدأ حكام هذه المملكة بملك يدعي الارا وهو الذي أسس " نباتا " كعاصمة دينية للنوبة وهي تبعد 400 كم للشمال من الخرطوم, ويعد الارا شخصية لها تقدير في الثقافة والوجدان والذاكرة النوبية ومد نفوذ مملكة نباتا حتى جزيرة اليفانتين ومدينة طيبة بالأقصر , ويلي ذلك الحاكم " كاشتا" وهو اسم يعني " المنتسب إلي كوش" , وكان نفوذه يمتد إلي جزء كبير من صعيد مصر وقام هذا الملك بتعيين ابنته امنرديس الأولي كزوجة للإله أمون في معبد الكرنك بالاقصر وهو منصب يعني أن ابنته أصبحت كبيرة كاهنات أمون في اكبر معابد مصر وهو معبد الكرنك .

تولي امر المملكة بعد ذلك بعنخي , وكان يعرف باسم مختصر وهو بي , وامتد نفوذ هذا الملك مثل سابقه , ولكن احد حكام مدن الدلتا وهي مدينة سايس بكفر الشيخ أقام حلفا مع حاكم الاشمونين بالمنيا , وكان الاخير تابعا للملك بعنخي والذي لم يعجبه هذا الأمر فقرر في عامه العشرين إرسال جيش , وظهر الملك في معركته وكأنه يخوض " حربا مقدسة" , وسجل تفاصيل هذه الحرب في لوحة سميت ب " لوحة النصر"  , وفي هذه اللوحة طلب من جنوده أن يتطهروا قبل خوض المعركة , وقدم قرابين بنفسه إلي الإله أمون في معبده بالكرنك , واستطاع حصار الاشمونين خمسة أشهر حتى سيطر عليها , وهرب حاكم سايس ولجأ إلي احدي الجزر بالدلتا , وأرسل إلي بعنخي خطابا يعلن خضوعه له وتقبل بعنخي ذلك , وعاد بعنخي إلي نباتا لأنه كان يفضلها وترك أخيه شاباكا في مصر , وبعد سبعة سنوات من حملته العسكرية مات ودفن في هرم بالكورو , ولأنه كان عاشقا للخيول دفنت معه خيوله الأربعة في نفس المقبرة.

خلف بعنخي أخيه شاباكا والذي مد النفوذ النوبي من نباتا إلي الدلتا وهو الذي حافظ علي ممتلكات مصر في بلاد الشام في مواجهة الآشوريين وقد لجأ أماني حاكم اشدود إلي شاباكا هربا من الآشوريين , ومن أهم الآثار التي تنسب إليه حجر أصبح يعرف باسمه وهو " حجر شاباكا" , وتوفي بعد 15 سنة في الحكم ودفن في الكورو , وتولي الحكم بعد ذلك شاباتاكا وكان نفوذه يمتد من النوبة إلي الدلتا ولكن كانت هناك قوة إقليمية ناشئة في الشرق الادني القديم وهي أشور في وسط وشمال العراق الحالي ولذا اتبع مع ملكها القوي سرجون الثاني سياسة ذات دهاء , فأثناء حياة هذا الملك الآشوري كانت العلاقة بينهما مسالمة وهو الذي سلمه حاكم اشدود الذي لجأ لمصر في عهد سلفه ولكن بمجرد وفاته مد نفوذه في فلسطين وأرسل جيشا مرتين في هذه المنطقة بقيادة أخيه الأمير طاهرقا.

ويأتي بعد ذلك أعظم ملوك هذه الاسرة وهو الملك طاهرقا وقام هذه الملك بالبناء في معبد الكرنك ويعتبره المؤرخ الإغريقي سترابون بأنه " من الملوك القدامى محترفي التكتيك العسكري" وفي عهده حاولت أشور غزو مصر في عدة حملات , وفي الأولي اقترب الملك أشور اسرحدون الاقتراب من الحدود المصرية , والثانية في العام 17 من حكم طاهرقا بسبب أن الأخير ساعد بعض المدن الفلسطينية في التمرد علي الحكم الآشوري ودخل الملك الآشوري هذه المرة مدينة منف واسر احد أعضاء الاسرة المالكة وهرب طاهرقا إلي النوبة , وعاد طاهرقا وسيطر علي مصر مرة ثانية وفي هذه الأثناء توفي الملك الآشوري وتولي ابنه اشوربانيبال , وغزا الأخير مصر مرة أخري ووصل إلي طيبة, وعاد طاهرقا مرة أخري إلي النوبة حتى مات فيها ودفن في نوري.

خلفه علي الحكم تانوات أمون ابن أخيه والذي يعد أخر ملوك الذين حكموا مصر ضمن ملوك الاسرة 25 , وبدأ عصره بالعودة إلي مصر , وسيطر حتى مدينة منف وقتل الحاكم الذي وضعه الآشوريين وهو نيكاو الأول , وعاد الآشوريون مرة ثانية وتتبعوه حتى طيبة واحرقوها , وعاد تانوات أمون إلي النوبة , وظل يحكم فيها حتى توفي عام 653 ق م ودفن في جبانة العائلة في الكورو.

في منتصف القرن السابع ق م عاد النوبيون يحكمون نباتا و مروي فقط بدءا من عصر الملك التينيرسا وانتهاء بالملك مالونقان , وانتهت مملكة كوش في 590 ق م علي يد الملك بسماتيك الثاني عندما قام بحملة علي النوبة ودمر نباتا , وفقدت نباتا مكانتها لصالح مدينة مروي في الجنوب بسبب ظهور معدن الحديد , واكتملت النهاية في عام 23 ق م عندما قام الرومان بحملة أخري أنهت تماما علي نباتا.

وهكذا يبدوا ان حكام تباتا بدأوا حكمهم في نباتا بالسودان في الشلال الرابع ..و مدوا حكمهم إلي الشمال ..في الأول وصلوا حتى الفانتين بأسوان..ثم بعد ذلك الصعيد كله..وفي النهاية امتد حكمهم لمصر كلها , واستخدم حكام هذه الاسرة اللغة المصرية القديمة كلغة رسمية وعبدوا الالهة المصرية وكان إلههم الرسمي هو الإله أمون .

وتميز ملوك نباتا بالسماحة الدينية وعندما وصل الملك بعنخي الأقصر خلع عتاده العسكري وطلب من جنوده عمل المثل ودخلوا إلي معبد الإله أمون بالكرنك ليقوموا بالصلاة , وعندما وصل إلي منف قام بنفس الفعل ودخل ليصلي في معبد بتاح بميت رهينة, وقام الملك شاباكا بنفس العمل في معبد بتاح وقام بنسخ مذهب الخلق علي حجر بدلا من البردية المهترئة وأصبح هذا الحجر يعرف باسم حجر شاباكا.

دافع ملوك الاسرة 25 عن مصر وممتلكاتها في الشرق الادني القديم وبدأ هذا الأمر مع الملك شاباكا ثم طاهرقا و تانوات أماني , وكان طاهرقا قائد عسكري من الطراز الفريد لدرجة أن مؤرخي الإغريق لقبوه ب سيد المناورات الحربية , وهو الاسم الوحيد من بين ملوك الاسرة 25 والتي ذكره العهد القديم , وحارب ملوك هذه الاسرة باسم مصر ضد الآشوريين.

فضل ملوك هذه الاسرة الدفن في موطنهم الذي نشأوا فيه وهو مملكة نباتا , ولذا فان مقابرهم موجودة في الكورو و نوري , واتخذت مقابرهم شكل الهرم , وامتلأت غرف دفنهم بالنصوص الهيروغليفية الدينية , والتوابيت ذات الطراز المصري.


كان اقتصاد مملكة كوش قائما علي معدن الذهب والعلاقات التجارية التي تربطها بمصر وخاصة في عصر الاسرة 26 , وتميزت حضارة مملكة كوش بالتمصير الثقافي وخاصة في الرسوم والمناظر , وأيضا في اللغة المصرية التي كانت اللغة الرسمية المستخدمة , وحتى العبادة كانت موجهة إلي أمون وشيد له معبدا ضخما شبيه بمعابد الكرنك في الأقصر وهو معبد أمون بجبل البركل.

مملكة مروي


تعد مملكة مروي من أعظم الممالك النوبية في التاريخ النوبي حيث أنها استمرت لمدة عشرة قرون , وعاصرت في مصر الاسرة الفارسية ودخول الإغريق والرومان في مصر , وكان لها دور كبير في إثبات نفسها ضد الغزاة الذين حكموا مصر , ومرت حضارة مروي علي أربع مراحل متعاقبة وهي تبدأ بالمرحلة الأولي في منتصف القرن السادس قبل الميلاد , وحكم فيها الملوك في مدينة نباتا العاصمة القديمة لمملكة كوش , وكان يوجد بها المعبد الرئيسي للإله أمون وأيضا في مدينة مروي والتي يوجد بها مقر الحكومة والقصر الملكي , وفي هذه المرحلة دفن الملوك والعديد من الملكات في جبانة نوري التي تقع بالقرب من نباتا , ولكن تم دفن بعض الملكات في الجبانة الغربية بمروي.

ويلي ذلك المرحلة الثانية في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد , وظل مقر الحكومة والقصر الملكي في مروي , ولكن الملوك والعديد من الملكات دفنوا في مروي , واقتصرت أهمية نباتا علي معبد أمون , وتبدأ المرحلة الثالثة بعصر الملك اركماني في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد , وكان مقر الحكومة والقصر الملكي في مروي , ودفن الملوك في الجبانة الشمالية بمروي , ودفنت الملكات في الجبانة العربية , وازدهرت مروي في هذا العصر , وبدأ الملوك يبنون مباني دينية بها , وبدءا من القرن الأول الميلادي بدأت حضارة مملكة مروي في الأفول والاضمحلال , وهي تمثل المرحلة الأخيرة من مراحل هذه المملكة , ودفن الملوك بالجبانة الشمالية بمروي , ودفنت الملكات بالجبانة الغربية , وانتهت حضارة مروي لأسباب عديدة ولكن مملكة اكسوم قامت بغزو أراضيها في منتصف القرن الرابع الميلادي.

الحضارة المروية
كانت مروي قاعدة أساسية لمملكة مروي المزدهرة والتي تأسست علي علاقات تجارية كبيرة مع الهند والصين وصناعة الحديد العالية , وازدهرت صناعة الحديد في مروي مما جعل الباحثين يطلقون عليها برمنجهام أفريقيا القديمة واشتهر صناع الحديد المرويين وكانت لهم شهرتهم في العالم , واستعان ملوك مروي بالساقية المصرية لزيادة إنتاج المحاصيل, وقامت بتصدير النسيج المصنوع من القطن والتي ازدهرت عام 400 ق م, وصدرت الذهب والتي يتواجد في مملكتها بشكل كبير , وتاجر المرويون في الماشية التي جلبوها من وسط أفريقيا, وسيطرت مروي في عز مجدها علي مسافة طولها في النوبة أكثر من ألف كيلومتر , وكان الحاكم المروي حاكم أوتوقراطي , ويشاركه السلطة فقط الأم الملكة كنداكي , ولكن دورها لا يزال غامضا , وتكونت الإدارة من أمناء مخازن وحاملي أختام ورؤساء أرشيف وكتبة.

واستخدم ملوك مروي خط كتابة جديد بعيدا عن الهيروغليفية المصرية التي استخدمها ملوك نباتا , وان كانت مشتقة منها , وهي تعتبر اللغة النوبية القديمة , ومن المعروف أن أول نص كتب بالخط المروي يرجع إلي القرن الثاني قبل الميلاد , واستبدلت النصوص المروية بالنصوص القبطية مع دخول المسيحية إلي النوبة في القرن السادس الميلادي , وفك فرانسيس ليلوين جريفث رموز الكتابة المروية عام 1909 بعد أن أدرك حروف الأسماء في النصوص المروية والهيروغليفية , وفي عام 2008 تم الكشف عن نص مروي سبب جدل في قيم بعض الموز الصوتية, وتتكون اللغة المروية من 23 حرف هجاء كتبت بالخط النسخ المشتق من الصور الهيروغليفية , وخط الرقعة المشتق من الخط الديموطيقي التي كانت تكتب به اللغة المصرية القديمة , وكتبت حروف الهجاء من اليمين إلي اليسار ومن اعلي إلي أسفل.

ومن الناحية الدينية قطع المرويون موائد القرابين من الأحجار المتنوعة , وكانت هذه الموائد مخصصة لأهل المتوفى الذين يأتون إلي المقابر لزيارة موتاهم فيسكبون الماء في الجزء المنخفض الأوسط , ودلت هذه الموائد وتماثيل البا ( الروح ) إيمان المروي بما يحدث في العالم الأخر , وكانت هذه الأواني تقطع علي الشكل المربع أو المستدير ويحيط بحوافها نصوص كورسيفية ( الرقعة ) مروية , ودائما ما كان يصور نفتيس وأنوبيس وهما يصبان القرابين علي موائد القرابين , ودلت أيضا علي إيمانهم بالعالم الأخر مناظر المقاصير التي ألحقت بالأهرامات التي شيدوها في البجراوية والتي تركوا بها مناظر جنائزية ونصوص من كتاب الموتى ذلك الكتاب الديني المصري الشهير , واعتبر المرويون الالهة إيزيس هي الالهة التي تمنح الخا ( الشخصية المجردة ) الخاصة بالمتوفى بإعطائها الإذن بمغادرة المقبرة إلي الجنة, أما الإله أوزوريس هو الذي يرشد الخا في دروب العالم السفلي.

عبد المرويون الالهة المصرية وتضمنت هذه الالهة أمون ( واسماه المرويون آمان ) و إيزيس و أوزوريس , وكان الإله آمان هو الإله الخالق منجب الملك , ويعد الإله أمون من أقدم الالهة التي تعبد لها النوبيين حيث كان له ظهور في حضارة كرمة , وكانت مركز عبادته في النبتة ولكن شيدت له معابد في كوة و مروي , واعتبر الملك المروي نفسه وسيطا بينه وبين البشر , كما اعتبر المرويون أنفسهم عبيدا لهذا الإله.

واعتبر النوبيون عامة و المرويون أن روح الإله تسكن في الجبل المقدس المعروف باسم جبل البركل ولذا أصبح الإله أمون يعرف باسم " أمون جبل البركل " , ومن المعروف أن مؤسس مدينة نبتة ومشيد أول معبد لأمون هو الملك المصري تحتمس الثالث في منتصف القرن الخامس عشر ق م , وقام ملوك نباتا ومن بعدهم ملوك مروي بعمل إضافات لمعبد تحتمس الثالث أو شيدوا معابد لأنفسهم باسم نفس الإله.

كان الإله الرسمي في العصر المروي والذي يلي أمون في المكانة هو الإله ابيدماك والذي صور علي شكل أسد واعتبروه اله الحرب , وعبد المرويون إلها محليا أخر وهو سبيوميكر واعتبروه الإله الخالق خاصة عند المرويين الجنوبيين.



مملكة بلانة وقسطل

بعد سقوط مملكة مروي على يد عيزانا في عام 350 م , مرت النوبة بفترة غامضة لا يعرف عنها الكثير إثر وفود مجموعات بشرية جديدة مجهولة الجنس لوادي النيل , وبدأت الثقافة النوبية في التغير , وظهرت معالم حضارة جديدة تختلف عن سابقاتها في الخصائص .

أطلق العالم الأمريكي جورج رايزنر على هذه المجموعة  اسم المجموعة الحضارية اكس أو المجموعة المجهولة لأنه اعتقد بان أصحاب هذه الحضارة هم قوم زنوج جاءوا من الجنوب وجلبوا معهم نمط من الفخار واتبعوا أسلوبا في الدفن وأكده ودعمه الطبيب الاسترالي جرافتون اليوت سميث بعد دراسته للبقايا العظمية التي عثر عليها في مقابرهم، ولكن الباحث الأثري تريجر أطلق عليها اسم حضارة بلانة و قسطل نسبة للاماكن الذي وجدت فيه آثارها

وقد شهد هذا العصر قيام مملكتين في منطقة النوبة وهما مملكة البليميين ومملكة النوباتيون, و البليميين هم قبائل سكنت شرق النيل وحتى البحر الأحمر ، وقد عرفوا عند الإغريق بهذا الاسم , ولكن المؤرخون العرب أسموهم بالبجا ، وهم قبائل البجا الحالية في شرق السودان .

ربطت بين البليميين والحكام البطالمة علاقات سلمية , وحدد هؤلاء الحكام منطقة عازلة بين حدودهم أطلقوا عليها منطقة الاثني عشر فرسخا ( دودياكاشينوي ) , وكانت تمتد ما بين قرية القصر عند الشلال الأول وحتى المحرقة , ووجهوا ريع هذه المنطقة العازلة إلي معابد الالهة ايزيس بجزيرة فيلة.

ونظر المؤرخون الرومان نظرة متشابكة ووصفهم المؤرخ الروماني بلليني في القرن الأول بأنهم " عمالقة أسطوريين " , وأنهم " بلا رؤوس " , وان " عيونهم وأفواههم في صدورهم "  , ولكن الجغرافي سترابون أشار إليهم بأنهم " قوم مسالمون".

وبعكس علاقتهم مع البطالمة سبب البليميون صداعا للرومان , وهاجموا الصعيد أربعة مرات , مما جعل الحامية الرومانية تنسحب من المحرقة إلي فيلة , وتنازل الرومان عن حصة من الذهب المستخرج من مناجم وادي العلاقي.

فكر الإمبراطور الروماني جستنيان في فكرة جلب قوم النوباتيين من الصحراء الغربية ليستقروا في النوبة السفلي في عام 297 م , وينشغلوا بهم البليميين بعيدا عن الممتلكات الرومانية , وأصبحت النوبة السفلي مقسمة إلي قسمين الشمالي به البليميين والجنوبي به النوباتيون , وكانت عاصمة المملكة الأخيرة جبل عدا في الجانب المواجه لمدينة ابوسمبل وان نقلوها فيما بعد إلي فرس عند الشلال الثاني , واستخدموا جبانتين للدفن احداهما علي الجانب الشرقي للنيل وهي قسطل , و الاخري علي الجانب الغربي للنيل وهي بلانة.

وعبد البليميون و النوباتيون الآلهة المصرية التي كانت معروفة آنذاك مثل الالهة إيزيس التي كانت تعبد في فيلة , والإله النوبي ماندوليس ( الشكل النوبي للإله المصري حورس ) الذي كان يعبد في كلابشة والذي تزوج من الالهة النوبية منحيت , بالإضافة إلي الإله النوبي دودون والذي شيدت له مقصورة موجودة حاليا بجوار معبد كلابشة.

واستخدموا الرموز الفرعونية في الكتابة , واتبعوا طريقة أسلافهم المرويين في دفن الملوك في مدافن ضخمة مع قرابين من الرعايا والأحصنة والحمير والجمال وغيرها من الحيوانات , وقد وجدت آثار ثراء دلت عليه بقايا معابدهم ومدافنهم في القسطل وبلانة والمتآلفة من المجوهرات والسيوف الأفريقية والتيجان والأسلحة وكلها موجودة الآن في متحف القاهرة .

وفي عام 580 م انتصر الملك النوباتي سيلكو علي البليميين , وسجل سيلكو هذا الانتصار علي جدران معبد كلابشة , ويبدو أن هذا الانتصار كان مؤشر لدخول النوبة الحقبة المسيحية لان الملك النوباتي كان يؤمن بالديانة المسيحية.


النوبة في العصر المسيحي


في منتصف القرن الرابع الميلادي غزت مملكة أكسوم الحبشية النوبة , وأجهزت علي مملكة مروي , وانقسمت النوبة إلي ثلاث ممالك صغيرة :

المملكة الاولي هي مملكة نوباتيا والتي تقع بين الشلال الأول والثاني داخل الحدود المصرية الحالية , وكانت عاصمتها باخوراس ( فرس ) , وأعطاها المؤرخون العرب اسم أخر وهو المريس , وأسس هذه الملكة النوباتيون الذين جلبهم الإمبراطور الروماني جسنيان من الصحراء للقضاء علي البليميين عام 297 م , ومن المعروف أن النوباتيين كانوا يعملون في الحراسة الشخصية لملوك مروي , وبعد أن قضت أكسوم علي مروي اتجه النوباتيون ليستقروا في الصحراء الغربية في كردفان و دارفور , والحقت مملكة نوباتيا بمملكة المقرة في القرن الثامن الميلادي , وتشير المصادر العربية المعاصرة الي مملكة واحدة فقط في النوبة وهي مملكة المقرة , وأسمتها " مملكة نوباتيا والمقرة", وبرغم دمجها ضمن مملكة المقرة إلا أنها تمتعت ببعض الاستقلالية , وكان من يحكمها يطلق عليه ( ايبارش نوباتيا ) أو رئيس نوباتيا , وأظهرت الوثائق التي عثر عليها بحصن أبريم أن حاكمها كان يتمتع بسلطة ما , وظهرت أيضا مملكة صغيرة قامت حول الشلال الثاني وكانت عاصمتها في قسطل واسمها مملكة دوتاو.

وكانت المملكة الثانية هي مملكة المقرة والتي تقع في المنتصف بين مملكة نوباتيا ومملكة علوة , وكانت عاصمة مملكة المقرة هي دنقلة العجوز , وتميزت مملكة المقرة بالازدهار في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين , وصارت للملكة القوة بين جيرانها وقامت بحماية المسيحيين في صعيد مصر , وقام نظام الحكم في المقرة علي الملكية وارتبط الملك بالدين واعتبر نفسه كاهن , وكان نظام الوراثة بهذه المملكة يتعاقب من أب إلي ابن ولكن في القرن الحادي عشر الميلادي ورث الخال الملك إلي ابن أخته وهذا النظام في الأصل يعد كوشيا.

وكانت المملكة الثالثة هي مملكة علوة أقصي الجنوب وعاصمتها سوبا بالقرب من الخرطوم , وامتدت هذه المملكة ما بين الشلالين الخامس والسادس في الشمال وبحر الغزال في الجنوب , ولا يعرف الكثير عن هذه المملكة بسبب بعدها عن مصر , ولكن كانت بينها وبين مملكة أكسوم الحبشية صراعات بسبب مساعدة ملوكها لقبائل البجة التي كانت تغير علي حدود مملكة اكسوم الحبشية ,  ومن أهم المعلومات عن مملكة علوة هي ما أشار إليه المؤرخ العربي ابن حوقل والذي أكد علي أن مملكة علوة كانت كبيرة وأكثر ثراء من مملكة المقرة وان حدودها كانت تمتد من إثيوبيا شرقا إلي كردفان غربا.

دخلت المسيحية إلي النوبة بشكل موسع في القرن الرابع الميلادي بعد أن عين  اثناسيوس بابا الإسكندرية الكاهن مرقص علي جزيرة فيلة عام 373 م , ومن المعروف أن معابد فيلة قد استغلت ككنائس بالإضافة إلي تشييد كنائس بنفس الجزيرة , ولكن الحدث الابرز في تاريخ المسيحية في النوبة كان في اواخر القرن السادس عندما هزم حاكم نوباتيا سيلكو البليميين وسجل انتصاره عليهم علي جدران معبد كلابشة ومن خلال النص يبدو ان الملك النوباتي دخل الديانة المسيحية.

وكان هناك صراع حول جذب النوبيين إلي المذهب الكاثوليكي أو مذهب كنيسة الإسكندرية , وكان هناك خلافا بينهما حول طبيعة السيد المسيح , فبينما أمنت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بفصل الطبيعة البشرية عن الطبيعة الإلهية للمسيح رأت الكنيسة القبطية أن الطبيعة الإلهية امتصت ودمجت الطبيعة البشرية وصارا الاثنان طبيعة واحدة , ومن الطريف أن الإمبراطور الروماني جستنيان كان مؤمنا بمذهب الكنيسة الرومانية بينما كانت زوجته الإمبراطورة تيودورا تؤمن بمذهب الكنيسة القبطية بالإسكندرية , ونجحت الإمبراطورة تيودورا بالتحايل في إيصال الكاهن جوليان إلي مملكة نوباتيا , واستطاع إقناع ملك نوباتيا ومجموعة من نبلاؤه بالتحول إلي المسيحية عام 545 , وهذا هو التاريخ الفعلي لدخول المسيحية إلي النوبة , وبعد أربعة وعشرين سنة من تحول نوباتيا انضمت إلي الديانة المسيحية مملكتي المقرة و علوة.

وانقسمت كنيسة المقرة في العصر المسيحي إلي سبعة اسقفيات تغطي منطقة النوبة كلها وهي كلابشة و قورتة و أبريم و فرس و صاي و دنقلة و سيونكور , وكلها كانت تتبع البطريركية القبطية بالإسكندرية , وكانت المقرة في بداية دخولها المسيحية تؤمن بمذهب الكنيسة الرومانية , ولكنها تحولت إلي الكنيسة القبطية فيما بعد.


النوبة في العصر الإسلامي

علي الرغم من دخول العرب والإسلام إلي مصر في منتصف القرن السابع الميلادي إلا أن الإسلام لم يدخل إلي النوبة بشكل رسمي إلا في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي , ولكن بدء من القرن السابع الميلادي تسللت القبائل العربية إلي النوبة بسبب الاتفاقيات التي ابرمها الحكام العرب لمصر مع النوبيين ومع قبائل البجة , وسمحت هذه الاتفاقيات بحرية الحركة للتجار والرحالة وبناء المساجد والإقامة بالنوبة , وانتشر الدين الإسلامي واللغة العربية بشكل متدرج , وصارت اللغة العربية تستخدم بجانب اللغة النوبية ,وانتشرت بعض القبائل العربية في النوبة مثل قبائل الكنوز في القرن التاسع الميلادي  , وجاءت قبائل العليقات الي النوبة المصرية وقبائل الجعليين و الرشايدة الي النوبة السودانية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين .

وفي العصر الاسلامي أطلق علي النوبة المصرية ( النوبة السفلي ) اسم المريس , وهي المنطقة التي تقع بين الشلال الأول والشلال الثاني , وكان الجزء الشمالي منه يقع تحت إشراف الخلفاء الفاطميين , وتمتع باستقلالية إلي حد ما تحت أميرها كنز الدولة في منتصف القرن الحادي العشر الميلادي , وكانت أهم مدنه الثلاثة أسوان و فرس و حصن أبريم , والمعروف ان قبائل الكنوز تنتمي إلي قبائل ربيعة التي أتت من الجزيرة العربية عن طريق البحر الأحمر وتسللت إلي الصحراء الشرقية شرق مدينة أسوان في العصر العباسي  , وانصهرت هذه القبائل مع قبائل البجا المقيمين في الصحراء الشرقية , وسيطرت علي مناجم الذهب.

وكان الجزء الجنوبي للنوبة المصرية تحت إشراف ملوك دوتاو المسيحيين , وظلت هذه المملكة موجودة بعد انهيار مملكة المقرة في القرن الثالث عشر الميلادي, وكانت العاصمة في جبل عدا ( داو), وعثر في عام 1960 علي مجموعة وثائق كبيرة في قصر أبريم تلقي الضوء حول تاريخ هذه المملكة , وأيضا العلاقة بين ايبارشية نوباتيا وملك دوتاو في القرن الثاني عشر الميلادي.

حاول العرب دخول النوبة وفتحها بالقوة , وتلاقي الفريقان في معركة دنقلة الاولي في صيف عام 642 م بين العرب بقيادة عقبة بن نافع ومملكة المقرة وكان جيش العرب يضم 20 ألف جندي ولكن المعركة انتهت بهزيمة العرب وجرح عدد كبير من العرب يبلغ عددهم ما بين 150 إلي 250 جندي , وقد قابل النوبيين العرب بوابل كثيف من السهام وبلغت دقة السهام درجة تصل إلي حدقة العين مما أصاب عدد من العرب بالعمى , وحاول العرب في بدء المعركة استخدام السيوف ولكن النوبيين لم يعطوهم الفرصة لذلك , وكانت هزيمة العرب في هذه المعركة من الهزائم النادرة التي مني بها العرب في القرن السابع الميلادي والذي شهد للعرب بانتصارات كثيرة.

وفي فترة العشر سنوات التي تتوسط ما بين زمن المعركة الأولي والثانية ثار النوبيين وهاجموا الحدود الجنوبية لمصر مما جعل العرب يفكرون في إرسال حملة عسكرية علي النوبة وكانت هذه الحملة عام 651 م بين العرب بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي السرح وبين النوبيين الملك قلديروث , وكان عدد جنود الجيش العربي خمسة ألاف جندي , وحاول العرب معالجة أخطائهم في المعركة الأولي واستخدموا الكرات الملتهبة ( المنجنيق ) وحاصروا مدينة دنقلة ودمروا كنيستها ولكن الأمر انتهي بنفس نتيجة المعركة الأولي وهي فشل العرب في دخول دنقلة وكثرة ضحايا العرب من رماة السهام النوبيين , وفي النهاية أوقف القائد العربي الحرب وفاوض الملك قلديروث في إجراء مفاوضات علي إبرام معاهدة سلمية وهي ما عرفت باسم البقط.

وبعد أن فشل العرب في دخول النوبة عسكريا فضلوا عقد معاهدة سلمية , وعرفت هذه المعاهدة باسم " البقط " وهي كلمة إغريقية تعني " العهد " , ولم تكن بمعني الجزية لان العرب كانوا يبادلون النوبيين بعض السلع التجارية.

واتفق الطرفان في هذه المعاهدة علي توثيق العلاقات التجارية بين الطرفان وتبادل القمح والشعير والخمور والأحصنة والكتان مقابل 360 رأسا من الرقيق ترسلهم النوبة في كل عام , واعتبرت هذه الاتفاقية نصرا للنوبة واستمر العمل بها طوال ستة قرون., وتضمنت الاتفاقية الشروط التالية :

1.    عدم اعتداء الطرفين
2.    السماح لمواطني الدولتين ( مصر والنوبة ) بحرية التجارة والسفر والسماح بمرور آمن بين الدولتين
3.    منع الهجرة والإقامة في الدولتين
4.    تسليم الهاربين من الدولتين
5.    عدم مسئولية مصر عن حماية النوبة إذا هاجمها طرف ثالث
6.    المحافظة علي المسجد الذي بناه المسلمون بدنقلة
7.    دفع 360 رأسا من الرقيق لبيت مال المسلمين

وبسبب هذه المعاهدة بدأ الإسلام يدخل تدريجيا إلي بلاد النوبة , واستمر العمل بها ولكن حدثت مناوشات عدة بسبب إخلال مملكة المقرة بشروطها ومنها عدم سداد الملك زكريا الثالث بدفع ال360 رأسا من الرقيق بسبب المجاعات التي أصابت مصر , وعندما انتهت المجاعة طالب والي مصر بسداد المتأخرات مما جعل الملك يرسل ابنه جورج إلي عاصمة الخلافة العباسية في بغداد عام 835 م ليتفاوض بشكل مباشر مع الخليفة العباسي , واستطاع جورج إقناع الخليفة في إلغاء المتأخرات بل ويتم سداد البقط كل ثلاث سنوات وليس سنة واحدة , واخل النوبيون بشروط البقط في عصر كافور الإخشيدي في عام 956 م , وهجم النوبيون علي أسوان فأرسل كافور الإخشيدي القائد محمد عبد الله الخازن على رأس جيش كبير لتأديب النوبة فهزمهم , و سار إلى أبريم واستولى عليها.

في أوائل القرن الثامن الميلادي وفي عهد الملك النوبي مرقوريوس تم إدماج مملكة نوباتيا مع مملكة المقرة , وسجل الملك ذكري هذا الاندماج علي نقش بمعبد طافا , ويطلق المؤرخين الأقباط للكنيسة المصرية اسم " قسطنطين الجديد " علي هذا الملك بسبب دوره الهام في الكنيسة النوبية , وحتى ابنه الذي تولي بعده وهو الملك زكريا الأول ترك الحكم لأنه نذر نفسه للرب , وعين بدلا منه شخصا أخر يتولى شئون مملكة المقرة و نوباتيا.

العصر الفاطمي
في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي اعترفت الدولة الفاطمية بإمارة الكنوز في أسوان , واستطاعت هذه الإمارة السيطرة علي كل النوبة السفلي التي تسمي ب المريس , ومنح الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله أمير هذه الإمارة وهو أبو المكارم هبة الله لقب كنز الدولة بعد أن استطاع القبض علي احد الخارجين علي الحكم الفاطمي ويدعي " أبو ركوة ", وامتد حكم الكنوز علي المريس أكثر من ثلاثين سنة في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي , وكانت عاصمتهم في أسوان , أما أهم المدن التابعة لحكمهم فكانت باخوراس (فرس) و بريمس ( أبريم ) , وفي النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي , قام كنز الدولة بغزو نوباتيا وتمتع باستقلالية محدودة بسبب استغلال حالة المجاعة التي أصابت الدولة الفاطمية.

وارتبطت مملكة المقرة بعلاقات جيدة مع الدولة الفاطمية ,  ورأت فيها الأخيرة حليفا جيدا لقلة الحلفاء مع هذه الدولة الشيعية , واعتمد الجيش الفاطمي علي العبيد التي يرسلهم ملوك المقرة , وانتعشت التجارة بين الطرفين , وكانت مصر ترسل للنوبة القمح والخمور والكتان بينما ترسل النوبة العاج والماشية وريش النعام والعبيد.

العصر الأيوبي
احتل الأيوبيون النوبة لمدة ثلاثة سنوات في الربع الأخير من القرن الثاني عشر الميلادي , وبسبب ذلك هاجر بعض بنو كنز إلي دنقلة في السودان , وتبدأ قصة غزو الأيوبيين للنوبة عندما أظهر الكنوز ولاء للفاطميين , وقاموا بالهجوم علي الصعيد في مصر , فأرسل صلاح الدين الأيوبي شقيقه الملك المعظم شمس الدولة توران شاه شقيق صلاح الدين الأيوبي الي المريس في الربع الأخير من القرن الثاني عشر الميلادي , وقام توران شاه بهزيمة الكنوز , واستولي علي قصر أبريم وأسر عددا من النوبيين , وحول كنيسة العذراء مريم بابريم إلي مسجد , وترك حامية بها تحت قيادة القائد إبراهيم الكردي والذي استطاع السيطرة علي بعض المواقع النوبية في شمال السودان , ولكنه مات غرقا عام 1175 م بالقرب من ادندان عندما كان يحاول عبور النهر عند فرس.

وبعد انسحاب الأيوبيين من النوبة عاد الكنوز وحكموا الجزء الشمالي من المريس , وتركوا الجزء الجنوبي لمملكة دوتاو المسيحية والتي تحكمت فيه لأكثر من ثلاث قرون , وكان مقر حكمهم في قسطل علي الحدود المصرية السودانية.

العصر المملوكي ( 1250 – 1517 )
في العصر المملوكي كانت النوبة مملكة موحدة تحت إشراف ملوك المقرة الذين كانوا يحكمون من دنقلة العجوز , ولكن في بعض الاحيان كان حكام النوبة يقومون بغارات علي صعيد مصر , وأحيانا أخري يمتنعون عن دفع البقط والتي كان من أهم شروطها قيام الحكام النوبيون بتأمين الحدود المصرية الجنوبية ضد غزو البدو وخاصة قبائل البجا , ولكن مملكة المقرة فشلت في ذلك , ولكل هذه الأسباب تدخل سلاطين المماليك في شئون مملكة المقرة , وأثناء العصر المملوكي كانت النوبة المصرية تنقسم إلي قسمين وهما الجزء الشمالي وكان ملحقا بمصر , والجزء الجنوبي يتمتع باستقلالية إلي حد ما تحت إشراف ملوك دوتاو.

في عام 1272 م انتهز الملك النوبي داود فرصة انهماك السلطان المملوكي الظاهر بيبرس بمحاربة الصليبيين والمغول , وهاجم جنوب مصر ونهب مدينة أسوان , واسر جماعة من أهلها , وهاجم ميناء عيذاب علي البحر الأحمر لتهديد تجارة المماليك في البحر الأحمر , وأثناء قيام الملك داود بذلك كانت لديه مشاكل داخلية مع ابن أخته الأمير شاكندة , وطلب شاكندة مساعدة الظاهر بيبرس في جلوسه علي عرش المقرة مما جعل بيبرس يستغل هذه الفرصة ويرسل جيشا لمحاربة داود.

أرسل بيبرس جيشا كبيرا بقيادة الأميرين شمس الدين آقسنقر الفارقاني وعز الدين الافرم و صاحبهما الأمير شاكندة , وأعطي بيبرس الأمر بعزل داود وتولية شاكندة مكانه , وعندما وصل الجيش إلي دنقلة كان داود قد هرب فوضع الأميرين المملوكيين شاكندة علي عرش دنقلة بعد أن وافق علي الشروط.

وكانت شروط المماليك تتضمن:
1.    إرسال الجزية السنوية المقررة طبقا لمعاهدة البقط مع بعض الهدايا مقابل ان يمد السلطان النوبة بالغلال
2.    الاستيلاء علي أموال الملك داود وإرسالها إلي مصر
3.    القبول بسيادة مصر علي الجزء الشمالي من النوبة ( النوبة المصرية حاليا )
4.  تخيير ملك النوبة وشعبه بين الإسلام أو الجزية أو الحرب فاختار الملك شاكندة الجزية وتعهد بدفع دينار سنويا عن كل فرد بالغ عاقل في مملكته وانشأ السلطان بيبرس من اجل ذلك ديوان خاص اسماه " ديوان النوبة " يشرف عليه الصاحب بهاء الدين بن حنا الوزير
5.    إطلاق سراح جميع ما لدي النوبيين من اسري مسلمين أسرهم الملك داود
6.    يقدم للسلطان بيبرس 20 أمير نوبي بمثابة رهائن لحسن تنفي الاتفاق

وفي عهد السلطان قلاوون ( 1279 – 1290 ) قام الملك النوبي برك خليفة شاكندة بالانتفاضة ضد الحكم المملوكي وامتنع عن دفع الجزية التي كان يري فيها رمزا للتبعية ولكنه في النهاية قتل .

وظهرت نزاعات داخلية كثيرة في بلاط مملكة المقرة , وأحيانا ما كان يتم اللجوء إلي السلطان المملوكي لحلها , و منها علي سبيل المثال الخلاف الذي نشأ بين ملك النوبة سمامون وبين ملك مملكة الأبواب آدور واحتكم الطرفان إلي السلطان قلاوون ووجد قلاوون أن سمامون مخطئ .

وفي عام 1286 امتنع سمامون عن دفع الجزية فأرسل له السلطان قلاوون جيشا كبيرا بقيادة ثلاثة من الأمراء,  وهم سنجر المسروري والي القاهرة و عز الدين الكوراني و عز الدين ايدمر السيفي السلاحدار والي قوص , وعندما اقترب الجيش من شمال النوبة انقسم إلي قسمين الأول في الناحية الغربية للنيل بقيادة المسروري , والأخر في الناحية الشرقية للنيل بقيادة ايدمر , والتقي الجيش المملوكي مع قوات سمامون بقيادة جريس ( من النوبة المصرية ) وانهزمت قوات سمامون , وتم اسر جريس , وهرب سمامون وفشل ايدمر في القبض عليه , وعين ايدمر ابن أخت سمامون حاكما علي النوبة , وعين جريس الذي عفا عنه نائبا له , وابقي في دنقلة العجوز حامية عسكرية مملوكية , ووافق الحاكم ونائبه علي دفع الجزية السنوية لمصر , وبمجرد مغادرة الجيش المملوكي للنوبة عاد سمامون واسترد عرشه , وفر ابن أخته ونائبه إلي مصر.

وفي عام 1289 أرسل السلطان قلاوون جيشا كبيرا بقيادة الأمير عز الدين ايبك ورافق الجيش الملك المعزول ابن أخت سمامون ونائبه جريس , ولكن الملك المعزول مات في أسوان ( دفن هذا الملك في أسوان ؟ ) , وأرسل لهم السلطان احد الأمراء النوبيين المأسورين في القاهرة ليعين مكان الملك سمامون , وانقسم الجيش إلي قسمين الأول سار في غرب النيل بقيادة الافرم والأمير قبجاق والثاني يسير في الضفة الشرقية للنيل بقيادة ايدمر والي قوص , وتقدم هذا القسم جريس لتمهيد الطريق إلي دنقلة , وقبل وصولهم فر سمامون إلي احدي الجزر جنوب دنقلة , ثم هرب بعد ذلك إلي جهة الأبواب حتى يبتعد عن ايدمر , وعين ايدمر الأمير النوبي الذي أرسله السلطان كحاكم علي النوبة بعد أن قبل دفع الجزية , وترك ايدمر حامية عسكرية في دنقلة , ولان السلطان قلاوون كان منشغلا بمحاربة عكا فانه استجاب للعفو عن سمامون عندما طلب ذلك , وأعاده علي عرش دنقلة , ولكن الأخير كعادته تنكر لوعوده مما جعل السلطان خليل بن قلاوون يرسل له جيشا , ويعين الأمير النوبي آني مكانه علي عرش النوبة.

في عام 1304 سافر الملك النوبي آماي إلي القاهرة يحمل معه الهدايا ويجدد ولائه للسلطان الناصر محمد , وطلب من السلطان مساعدة عسكرية ضد منافسيه , واستجاب السلطان له وأرسل معه فرقة عسكرية بقيادة والي قوص الأمير سيف الدين طقطبا , وأنهت الحملة مهمتها وعادت إلي مصر عام 1305 , وبعد ستة سنوات ثار الأمير كرنبس علي أخيه آماي وقتله وحل محله ملكا علي النوبة , وشعر كرنبس انه في حاجة إلي دعم المماليك فزار القاهرة وحمل معه الجزية والهدايا وأعلن ولائه للسلطان الناصر محمد , ولكنه بعد فترة قصيرة انقلب علي ولائه للسلطان مما جعل الأخير يرسل له حملة عسكرية بقيادة الأمير عز الدين ايبك جهاركس , وأرسل مع الجيش اميرا نوبيا كان قد اسلم وهو سيف الدين عبدالله برشمبو وهو ابن أخت الملك السابق داود , وعندما علم كرنبس بأمر الحملة أرسل ابن أخته كنز الدولة إلي السلطان الناصر محمد ليطالب بحقه في العرش , ولكن السلطان لم يستجب له واعتقله , ووصلت الحملة إلي دنقلة ففر كرنبس وأخيه أبرام ولكن الجنود المماليك استطاعوا القبض عليهما وعادوا بهما إلي القاهرة عام 1317 , وتم تعيين عبدالله برشمبو ملكا علي النوبة وبذا دخلت النوبة الي الاسلام , ولكن ذلك لم يلق قبولا من النوبيين , والتفوا وراء كنز الدولة الذي عفا عنه السلطان الناصر محمد , وقام كنز الدولة بقتل الملك برشمبو , وأعلن نفسه حاكما علي النوبة , ولكن الناصر محمد لم يتقبل ذلك , وأرسل أبرام اخو الملك كرنبس للقبض علي كنز الدولة , وقام الأخير بالتنازل عن الملك لابرام , وفجأة مات الملك أبرام فتولي كنز الدولة ثانية الحكم في دنقلة.

كان السلطان الناصر محمد يعتبر كنز الدولة ثائر ومتمرد , ولذا أرسل له حملة عسكرية بقيادة الأمير علاء الدين بن علي قراسنقر عام 1323 , وأرسل معه كرنبس ( الذي اسلم أثناء فترة أسره ) لينصبه علي عرش النوبة , ولكن في النهاية استطاع كنز الدولة استرداد عرشه بعد أن غادر المماليك النوبة , وتعد هذه الحملة هي الحملة الأخيرة التي أرسلها المماليك إلي النوبة , وانشغل المماليك بمشاكلهم الداخلية في مصر , وورث أولاد وأحفاد كنز الدولة العرش في دنقلة حتى العصر العثماني , ومثل بنو كنز خطرا علي الحدود الجنوبية لمصر و بدأوا في مهاجمتها والإغارة عليها من وقت لأخر وقد حدث ذلك عام 1383 و 1388 , وكانت مدينة أسوان أكثر مدينة تعرضت للهجوم والإغارة من بني كنز .

العصر العثماني
في الربع الأول من القرن السادس عشر الميلادي  أرسل السلطان العثماني سليم الأول جيشا إلي النوبة بقيادة قوسي حسن , وضم هذا الجيش جنودا من أصول مقدونية ومن البوسنة والمجر , واستولي هذا الجيش علي القلاع والحصون العسكرية في النوبة مثل حصن اليفانتين و أبريم و ساي , ومنح السلطان منحة مالية وهي مبلغ مائة جنيه للجنود الذين أقاموا في حصن أبريم , واشرف قوسي حسن علي المنطقة التي تقع بين الشلال الأول والثالث , وكانت وظيفته جمع الجزية ( وأطلق عليه لقب الكاشف وهو جامع الضرائب ) وإرسالها إلي والي مصر و, كانت الجزية هي 24 كيلة نوبية من الحبوب علي كل ساقية أو 12 ثوب من النسيج الكتاني , واستقر قوسي حسن في قرية الدر وبني له دار كبيرة سميت بقصر الكاشف.

وفي نفس الوقت سقطت مملكة علوة المسيحية علي أيدي العرب الذين هاجروا إلي منطقة بلاد النيل الأزرق , وحدث تحالف بين هذه القبائل المهاجرة وبين قبائل الفونج القادمين من جنوب النيل الأزرق , وكونوا مملكة أطلق عليها اسم مملكة الفونج أو السلطنة الزرقاء , واتخذوا من العاصمة القديمة سنار عاصمة لهم , واستمرت هذه المملكة لأكثر من ثلاثة قرون حتى سقطت علي أيدي إسماعيل بن محمد علي باشا عام 1821 .

وتعد مملكة الفونج هي أول مملكة أسلامية وحدت السودان والنوبة تحت سلطانها , وقد تكونت من عرب القواسمة بقيادة الشيخ عبدالله جماع مع قائد الفونج عمارة دونقس , و الفونج هم قبائل جاءت من منطقة أعالي النيل الأزرق وكانوا يتميزون بالبشرة السوداء ولذلك أطلق علي هذه المملكة اسم السلطنة الزرقاء , وقسم هذا التحالف السلطة بان تكون السلطة العليا لقبائل الفونج , و يتولى رئاسة الوزراء أو المنصب الثاني في السلطة عرب القواسمة , وتولي الملك عمارة دونقس السلطة في المملكة باعتباره المؤسس.

امتد سلطان الفونج علي مناطق الجزيرة وصحراء البطانة و البيوضة وامتد حتى جنوب كردفان كما امتد سلطانهم علي ما كان يخضع لمملكة المقرة وكانت حدودهم الشمالية حتى صاي , ومثلت الفونج خطرا علي كل من العثمانيين والحبشة , وكان العثمانيون يسيطرون علي ما تسمي حاليا النوبة المصرية , وامتد نفوذهم حتى صاي وشيدوا قلاع في ابريم و صاي للحد من نفوذ ملوك الفونج , وأمنت الحبشة حدودها ونقلت عاصمتها إلي جوندار , وفي الجنوب كانت العلاقة بين ملوك الفونج وقبائل الشلك عدائية في البداية , ولكنهما فيما بعد كونا حلفا لمواجهة قبائل الدينكا القوية , وفي الغرب استطاع ملوك الفونج هزيمة مملكة تاكالي بجبال النوبة في جنوب كردفان.

أثناء الحملة الفرنسية
بعد ان احتل الفرنسيون مصر وهرب المماليك الي الجنوب , تبعهم الفرنسيون حتي بلاد النوبة , وقاوم النوبيون الاحتلال الفرنسي أثناء مطاردة المماليك في بلادهم , ووصل الفرنسيون بقيادة الجنرال الفرنسي بليار حتى قرية دهميت ومن اجل منع المماليك من العودة إلي مصر قرروا احتلال جزر أسوان اليفانتين وفيلة وهيصة , وقاومهم النوبيون قبل الوصول إلي جزيرة فيلة ورفضوا استخدام مراكبهم , واستطاع النوبيون جرح ثلاثة فرنسيين ولكن استشهد منهم عدد كبير , وأشار الجنرال بليار في مذكراته عن شجاعة النوبيين ورفضهم التعاون معه , وقال بان الرجال النوبيين حملوا السلاح لمقاومته بينما أطلقت النساء النوبيات صيحات الحرب.

ومن جانب أخر فتحت الحملة الفرنسية علي مصر انتباه الغرب علي النوبة , ولأول مرة نقلت إلي القارئ الأوروبي معلومات عن النوبة وأهلها , وقام علماء الحملة بتسجيل أثار النوبة , وقاموا بتسجيل الحياة المعاصرة للنوبيين , وأقاموا مقارنات بين النوبيين والمصريين في العادات والتقاليد واللغة , ونشروا هذه الدراسات في مجلدات وصف مصر , وتضمنت هذه المجلدات دراسة كتبها الباحث الفرنسي كوستاز عن النوبة والتي سجلت وضع النوبة بين مصر في الشمال ومملكة سنار في الجنوب , وأشارت إلي القبائل العربية و البجة في شرق النيل وغربه في بلاد النوبة , والي أخلاق وعادات النوبيين التي امتدحتها الدراسة , والي نظام الاقتصاد في النوبة الذي يعتمد علي المقايضة.

العصر الحديث
وفي عام 1811 أرسل محمد علي ابنه إبراهيم لمطاردة المماليك الفارين من مذبحة القلعة , وقابلهم في كشتمنة وانتصر عليهم , ولكنهم زحفوا جنوبا إلي الدر و أبريم واستولوا علي قلعتها وعلي 1200 بقرة وأغنام , وبعد ذلك زحفوا إلي أراضي المحس , ثم استقروا في دنقلة وكونوا دولة مملوكية لمدة تسعة سنوات حتى قضت عليهم الحملة التالية التي قادها إسماعيل باشا بن محمد علي , وفي عام 1820 أراد محمد علي باشا السيطرة علي السودان ومطاردة المماليك الذين كونوا دولة مملوكية في دنقلة , فأرسل حملة عسكرية بقيادة ابنه إسماعيل , وقام الكاشف حسين ابن سليمان بتجميع رجاله لمقاومة هذه الحملة ولكن أخيه حسن لم يوافق فقام بجمع عبيده الذين يبلغون ثلاثمائة عبدا وهرب بهم إلي كردفان في غرب السودان , وأظهر الكاشف حسن ولاء لإسماعيل بن محمد علي باشا فعينه حاكما علي النوبة المصرية التي تمتد من أسوان إلي حلفا وأعطي له 293 فدان وستة أكياس من الدراهم ولكن قرر له مقدار الضرائب المفروضة علي منطقته ولذا فرض الكاشف حسن خمسون قرشا علي كل ساقية, ومن المعروف أن الكاشف حسين شقيق الكاشف حسن لجأ إلي المقدوم مسلم في كردفان وحارب معه ضد الدفتردار ولما قتل المقدوم فر حسن وزوجة المقدوم ومعه خزينة المقدوم إلي سلطان دارفور وتزوج من ابنة السلطان ولا يزال هناك ذرية له حتى الان في دارفور.

وتسببت حملة إسماعيل باشا انتشار المجاعة والفقر في النوبة , وكانت النوبة مقسمة إلي ثلاث أماكن الأولي من أسوان حتى حلفا , وكانت تحت إشراف الكاشف حسن , والثانية تضم أراضي سكوت , وكانت تحت إشراف الكاشف حسن وردي , والثالثة هي أراضي المحس , وكانت تحت إشراف الملك صبير , وفي القرن التاسع عشر الميلادي انتهت العصور الإسلامية في النوبة بالحملة العسكرية التي أرسلها محمد علي إلي النوبة عام 1820 والتي ألحقت النوبة بمصر تحت إشراف أسرة محمد علي.